17 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الجمعة 15 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > محاضرات

مباني السير والسلوك - 22 - (الهوى والنفس هما الحجاب الأكبر)
لـسماحة الشيخ علي بيضون حفظه الله
تاريخ الإضافة: 24 ربيع الأول 1437 هـ . ق

الرجاء تنصيب برنامج الفلاش أولا

نبذة عن المحاضرة
المحاضرة الثانية العشرون من مباني السير والسلوك, في شرح قول الإمام الصادق عليه السلام: (ولا حجاب أظلم و أوحش بين العبد وبين الله تعالى من النفس والهوى) وتشتمل على ما يلي: 1. يوضّح الإمام الطريق للمؤمنين مبيناً لهم ضرورة إزالة الحجاب القابع بينهم وبين الله تعالى 2. من الأمور اللافتة جداً في هذه الرواية المباركة أنّ الإمام الصادق عليه السلام عطف "النفس" على "الهوى" وجعل كلّ واحد منهما حجاباً يجب اقتلاعه وإزالته وإفناؤه 3. كما أنّ الهوى يحجب الإنسان عن لقاء الحق تعالى فإنّ النفس تحجب الإنسان أيضاً 4. الوظيفة الأولى في طريق السير والسلوك هي مجاهدة الهوى: وهي تعني مخالفة الهوى وعدم الانصياع للمشتهيات والملذات التي توجب استرخاء النفس وتجعلها ساهية لاهية لاعبة متفاخرة لا همّ لها إلا جمع المال والتلذذ والغرق في سكرة الحياة الدنيا 5. ما عُرضَ شيءٌ على رسول الله صلى الله عليه وآله إلا وأخذ بأشدّهما وأصعبهما وأشقّهما على نفسه 6. الوظيفة الثانية في طريق السير والسلوك إلى الله تعالى رفع حجاب النفس، وهي وظيفة أدقّ من الوظيفة الأولى وأهمّ 7. هناك مراحل عديدة للنفس: (الأمارة بالسوء، اللوامة، الزاكية، الملهمة، المطمئنة، الراضية، المرضية) وعلى السالك إلى الله أن يزكّي نفسه ويصقلها ويطهّرها لترتقي من الرتبة الأدنى إلى الرتبة الأعلى ليتمكّن من مشاهدة ما لم يكن يراه سابقاً في المراحل السابقة 8. وجود النفس ـ بجميع مراتبها ـ لا يعدو كونه حجاباً لأنّها محدودة بحدود ذاتها ومحبوسة في دائرة رتبتها وسعتها الوجودية لذلك فحتى وإن كانت معاينة النفس للأشياء شهودية حضورية إلا أنّها ناقصة بسبب سعتها الوجودية ومحدوديتها الماوهية 9. في بدايات الطريق قد يقنع السالك بالوصف والصورة والواسطة والمرآة لكنّ السير والسلوك إلى الله يقتضي الورود في عالم الشهود الكامل والتام بدون واسطة 10. الإمام الصادق عليه السلام يوضّح لنا غاية السير والسلوك في المدرسة القرآنيّة ويبيّن لنا امتياز الديانة الإسلاميّة عن سائر الأديان السماوية التي لم ترتق إلى مستوى إفناء النفس وإزالة الحجاب بشكل كامل 11. منتهى سير الأديان السابقة تجلّي حقيقة "لا إله إلا الله" بينما الإسلام العظيم قد ارتقى إلى مستوى حقيقة "الله أكبر" الذي يحاكي حالة الفناء بشكل كامل في ذات الحق تعالى 12. "الله أكبر" تعني أنّ الله أكبر من الوصف وأجلّ من التنزيه وأعظم من التكبير والحمد وأكبر من كلّ ما يوصف الله عزّ وجلّ به، فالله أكبر من أن يوصف لأنّ هذا الوصف متناسب مع النفس المسبّحة والحامدة والمنزّهة وهي محدودة دائماً بحدود وجودها الخاصّة 13. لا يمكن للنفس المحدودة أن تحاكي عينيّة الوجود الإلهيّ لأنّ المقيّد لا يحكي المطلق والضعيف لا يحاكي القوي والمعلول لا يرتقي إلى مستوى العلّة... ولا يمكن للضعيف أن يكون مرآة للقوي لذلك ستظلّ يؤكّد الإمام الصادق على أنّ النفس هي أحد الحجابين 14. ليس المراد من إفناء النفس العدم والإعدام الحقيقي وإنّما يعني ضرورة قلب النظر إليها بحيث تخرج عن كونها نفساً لتتعامل معها على أنّها وجود إلهي بحت لتكون مرآة لله لا للذات الإنسان 15. علينا أن نتعامل مع وجود النفس لا إلى نفسيّة النفس، فوجود النفس هو وجود إلهيّ بينما نفسيّة النفس هي قيد ماهويّ اعتباري محدود 16. مشكلة بني آدم أنّه حينما ينظر إلى النفس يصاب بالغرور فينسب كمالاتها إلى الأنا ويقول: (أنا القوي أنا العالم أنا الغني أنا أنا أنا...) فهو يرى الأنا ويتنفّس الأنا ويتنهّد الأنا ويعشق الأنا وينسب كلّ قدراته وما له من الكمال إلى الأنا لذلك فهو محبوس في هذه الأنا ولن يدرك الوجود الإلهي إلا بمقدار الأنا 17. القرآن الكريم لا يلغي النفس والأنا وإنّما يغيّر ماهيّتها بشكل تفاعلي وتكاملي دقيق جداً فالتوحيد القرآني لا يقول: (الأنا عدم ووهم وخيال وباطل) بل ما يريد أن يؤكد القرآن عليه هو أنّ جميع ما لديك إنّما هو من وجود الله فانظر وحدّق وشاهد الله بواسطته!!! 18. حركة الإنسان في مدارجه التكاملية ضمن المراتب السبعة (الأمارة بالسوء، اللوامة، الزاكية، الملهمة، المطمئنة، الراضية، المرضية) هي مراتب حقيقيّة ولكنّها ليست ملكاً لك.. وهي معك ولكنّها ليست لك.. وهي حالّة في نفسك ولكنّها ليست ذاتيّة لك.. بل هي لله وبالله ومن الله وإلى الله وعليك أن تشاهد الله بها على الدوام وهو معنى قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} 19. العارف حينما ينظر إلى علمه وقدراته يرى علم الله وقدرته وعظمته ويستلذّ بالله مباشرة لا بالأنا ولا يرى سوى الله تعالى ويفتتن بالله ويأنس بالله ويخرّ خاشعاً أمام عظمة الله 20. حينما يتذوّق العارف قطعة حلوى فإنّه يرى جمال وعذوبة الله تعالى قبل أن ينسب الحلاوة واللذة لهذه الحلوى 21. العارف يرى الله قبل الوسائط 22. النبي إبراهيم لم يقل: أنا لا أتناول الدواء أو لا آكل ولا أشرب بيدي، بل قال: {الذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين} لأنّه كان يرى يده التي تحمل الكوب ليرتشف منه أو تحمل لقمة الطعام أو الدواء ليتناولها هي يد الله فيتأمّل بيده ويرى الله ويتأمّل بتأثير الدواء على شفائه ويرى الله ويتأمل بالماء ويرى الله وهكذا كان يرى الله في كلّ شيء.. وهذا هو معنى كسر الماهية ومشاهدة الله واقتلاع حجاب النفس 23. علينا أن نرى الله من خلال الأبوّة والأمومة والبنوّة ورحمتهم العجيبة 23. زجاجة النفس تغلّف الأشياء بالذات والأنا وتمنعنا من ملامسة الوجود الإلهي وتحجبنا عن الشعور بالله بشكل قريب بدون حجاب 24. توحيد خليل الله إبراهيم كان رقيقاً وشفافاً بلا حجاب فكان يشعر بالله تعالى حتى حين الطعام والشرب وتناول الدواء وما شابه ذلك من الأفعال العادية فكان يرى الله ويحس به ويشعر بوجوده في جميع ذلك 25. الولي العارف يرى الله حتى بصغار الأمور العاديّة 26. السيّد هاشم الحدّاد رضوان الله عليه كان يقول: الناس العاديّون لا تقشعرّ أبدانهم إلا حينما يشاهدون هطول المطر بُعيد صلاة الاستسقاء، بينما العرفاء تحدث معهم هذه الحالة حين هطول المطر العادي أو مشاهدتهم نزول الماء من الحنفيّة العاديّة فلا فرق بين إرادة الله ورهبة وجود الله وعظيم جمال الله وجلاله المتجليّ في الغيوم الماطرة بعد صلاة الاستسقاء وبين نزول الماء من الحنفيّة في المنزل!! 27. التواضع أمام الأولياء ليس مجرد تواضع ولقلقة لسان بل هم أعلى منّا رتبة ولا يقاس بهم غيرهم من الناس العاديّين أبداً 28. الحالات التوحيديّة عند الإمام المعصوم أعلى وأوسع وأشمل من الأولياء أيضاً 29. الولي الإلهيّ لا يقول: (أعوذ بالله من كلمة أنا) لأنّ ذاته المباركة و "الأنا" بالنسبة لديه ليست حجاباً لأنّه لا يرى ذاته وأناه بواسطة النفس بل يرى الله بها ومنها وفيها ومعها بشكل دائم 30. الإنسان محبوس وطريد ومحجوب عن مشاهدة الله تعالى إلى أبد الآبدين إلا أن يجاهد نفسه ويسير في مدارج مدرسة السير والسلوك 31. رفع الحجاب يحتاج إلى مجاهدة النفس في اتجاهات ثلاث: (الذات . الأسرة . المجتمع) 32. العزلة والرهبانية ليست الحلّ لرفع الحجاب لأنّ الحجاب النفسي ينمو ويزداد على الدوام حتى لو كان الإنسان وحيداً وفي عزلة لذلك لا بد من مجاهدة النفس وتحمّل مسؤولية السير والسلوك إلى الله 33. كذلك الزواج وبناء الأسرة ـ والذي يعادل نصف الدين ـ لا يرفع حجاب النفس ما لم يقترن بمجاهدة النفس 34. كذلك الانخراط في الحياة الاجتماعية فإنّه يؤثّر على النفس سلباً ويوقعها في حب الرياسة والمنصب والتنافس والتفاخر ويقوّي حجاب النفس ما لم يقترن بمجاهدة النفس 35. هندستنا لبيوتنا ومنازلنا أصبحت هندسة شهوانيّة مليئة بالغرور والتكبّر والتنافس وكأنّ البيت مطفأ للشهوات 36. مقتنيات أهل الدنيا تبرز الأنا وتوحي بالعجرفة والتكبر والتفاخر 37. الحياة الاجتماعية المعاصرة تحاكي التصحّر الإنساني وتزيد حجاب النفس في جميع أبعادها 38. من يظلم طفلاً أو يؤدّبه بأسلوب قاسي ظالم سوف ينشأ في قلبه حلقات من الحجب لا تذوب إلا بإرضاء هذا الطفل المظلوم وإزالة أثر الظلم والتعدي من قلبه.