15 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > دراسات > العرفان والأخلاق والسلوك > ضرورة المرشد الخبير


ضرورة المرشد الخبير

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد في سورة النحل في الآية 43: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون‏}, ويقول أيضاً عزّ وجلّ في سورة النساء: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللَّهَ وأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في‏ شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْويلاً (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعيداً (60) وإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}, كذلك ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: «هلك من ليس له حكيم يرشده», ولا يخفى أنّ جميع هذه الأدلة الواضحة والصريحة تدلّ على أنّ نظام القرآن والوحي والهداية قائم على رجوع الجاهل إلى العالم, وضرورة السؤال والأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله بغية رفع الجهل وسدّ الحاجة, فما رجوع البشريّة إلى الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين إلا نموذجٌ ومصداقٌ لقاعدة رجوع الجاهل إلى العالم, فشعار جميع الأنبياء في دعوتهم إلى قومهم إنّما كان على أساس: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطيعُونِ} ولا يخفى أنّ الطاعة للرسول والنبيّ والوصيّ إنّما هي بالاستهداء بهديه والاسترشاد برشده والأخذ من حكمته والاعتماد على أوامره ونواهيه والاستنان بسننه وأحكامه, سواء في شؤون الهداية أو العقيدة أو الأمور العباديّة أو المعاملات أو الحكومة والسياسة والعمل وسائر مجالات الحياة, ومن ضمن ذلك ـ بل من أهمّها ـ مسألة تربية النفس وتهذيبها ومعرفة خصائص النفس وجنودها وكيفيّة مجاهدتها وترقيتها وسوقها إلى الهدف الأسمى ألا وهو لقاء الله عزّ وجل, فحاجة السالك إلى المرشد الخبير لا يمكن أن يقوم مقامها شيء آخر, ورسول الله صلى الله عليه وآله كان يجسّد المصداق الأتمّ والأكمل للمرشد الخبير,فرسول الله مدينة العلم وعليّ بابها, وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه ما من علم إلا وعليّ عليه السلام فاتحه وقائم أهل البيت عجّل الله فرجه خاتمه.. فمسألة رجوع الجاهل إلى العالم والتتلمذ على يديه هي من أبده البديهيّات الشرعيّة والعقليّة والعقلائيّة والسلوكيّة والحياتيّة ولا يستغنى عن هذه القاعدة أبداً, ومن الطبيعي أنّه مع عدم إمكان الرجوع المباشر إلى المعصوم كان لزاماً على البشريّة أن ترجع إلى العلماء الذين نهلوا من المعصوم, فهم (أمناء الرسل), وهو معنى قوله عزّ وجل في سورة التوبة: {وما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}, فالعلماء امتداد للمعصوم وهم تلامذة المعصوم وخلفاؤه وحجّته على العباد, فقد ورد عن الإمام صاحب العصر والزمان -أرواحنا فداه - أنّه قال في توقيعه المبارك: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم», وعليه كان الرجوع إلى العالم الخبير والمرشد الحكيم رجوعاً إلى الإمام لأنّه حجّته وأمينه في غيبته.
وقد يُظنّ أنّ قول رسول الله وأمير المؤمنين عليه السلام: «من عمل بما يعلم ورّثه الله علم ما لم يعلم» دليل على الاستغناء عن المرشد الحكيم, ومخصّص لعموم قوله تعالى: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}, والحقيقة أنّ هذا التفسير ليس تامّاً ولا ينسجم مع السيرة الشرعيّة والمتشرعيّة القاضية برجوع الجاهل إلى العالم والأخذ منه, بل إنّ الأمر على العكس من ذلك بشكل تام, فالوراثة المستفادة من قول المعصوم عليه السلام «...ورّثه الله علم....» لا تعني بالضرورة أن ينزّل الله الوحي عليه, أو يرزقه العلم اللدني متى شاء وكيف شاء وأنّى شاء, أو أن يجعله محدّثاً ومعصوماً وملهماً بالعلوم الباطنيّة... كلا, بل المراد من هذا التوريث في قوله عليه السلام (ورّثه الله), أن يمنّ الله عليه بالعلم والهداية, ولو بالواسطة, وذلك بأنْ يرسل إليه حكيماً مرشداً خبيراً عالماً وليّاً متّصلاً قدّ تعلّم وعاين الحقيقة وباشرها بنفسه وروحه وجرّبها وطبّقها وعلم عامّها من خاصّها ومجملها من مبيّنها وناسخها من منسوخها... وعاين أسرارها وأشرف على دقائقها حتّى أصبح مجتهداً فيها لا يخطئ ولا يشتبه عليه أمرها,فكما أرسل الله لرسول الله صلّى الله عليه وآله جبرائيل, فكان جبرائيل الواسطة بينهما, وكذلك أرسل لموسى الخضر فكان الخضر معلماً لموسى, وأرسل لأمير المؤمنين عليه السلام محمّدٌ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, كذلك يرسل للإنسان المتعلّم أستاذاً يعلّمه ما يحتاجه من العلوم النظريّة والعمليّة التطبيقيّة, فعمليّة توريث العلم إنّما تكون ـ عادة ـ بتوفيق الإنسان للمثول بين يدي {أهل الذكر} الواجب سؤالهم, والمثول بين يدي {العلماء أمناء الرسل} الواجب سؤالهم أيضاً والتعلّم منهم.
من هنا لا يمكن لنا أنْ نلغي القاعدة العقليّة ـ والعقلائيّة والشرعيّة والقرآنيّة والروائيّة والسلوكيّة والتربويّة ـ القاضية بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم, وعليهفلا يمكننا أن نسلّم لمقولة من يقلل من أهمّيّة الأستاذ, فهو في غير محلّه, ولم ينهض به دليل, ولم تساعد عليه تجربة ولا برهان, وذلك لأسباب:
أولاً: إنّ نفس هؤلاء الأعلام الذين نسبت إليهم بعض العبائر التي توحي بعدم الحاجة إلى الأستاذ, كان لهم أساتذة ومرشدون في السير والسلوك, ولم يكونوا ليبلغوا ما بلغوه من تلقاء أنفسهم, بل كانوا شديدي الطاعة والتبعيّة للمرشد الحكيم.ثانياً: إنّ كلّ من يصرّح بعدم الحاجة إلى الأستاذ المرشد الخبير, فإنّه من كلامه نفسه يلغي حجيّة كلامه!! وكأنّه يقول: لا تسمعوا لي ولا تستفيدوا من كلامي, لأنّه لا يجب الرجوع إلى الخبير والأستاذ, وما دام الأمر كذلك فلا يعود لكلامهم فائدة, لأنّه لا يجب الرجوع إلى الأستاذ الخبير, فلماذا تجيبون حينما تسألون؟!
ثالثا: إنّ سيرة هؤلاء الأعلام والفضلاء والعلماء قائمة على تعليم تلامذتهم وذويهم, وما ذلك إلا لعلمهم بحاجة التلميذ إلى الأستاذ, وإلا فلو كانوا يؤمنون واقعاً باستغناء التلميذ عن أستاذه لكان عليهم أن يقصروا الطريق بينهم وبين تلامذتهم, وهو خلاف سيرتهم المباركة والكريمة المليئة بالعطاء والتضحيات والمتابعة والسهر والتعليم والتزكية وتحمّل المنغصات في هذا السبيل... رضوان الله عليهم أجمعين.
رابعاً: إنّ فرضيّة الاستغناء عن المرشد الحكيم تخالف الأمر العقلائي القاضي بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم, وتخالف عموم القرآن الكريم بقوله تعالى: {فسألوا أهل الذكر} وقولوه تعالى: {فردّوه إلى الله والرسول} وقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقول الإمام زين العابدين «هلك من ليس له حكيم يرشده» وغير ذلك من الأدلّة المتوترة والمستفيضة الآمرة بالرجوع إلى الخبير في كلّ فنّ ومهنة.
خامساً: إنّ ما دلّ على وجوب رجوع الأمّة إلى (رواة حديثنا) و ما دلّ على أنّه «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه» وأمثالها, هو بعينه دالّ بعمومه على ضرورة الرجوع إلى العالم ـ أي راوي حديثنا والفقيه الصائن لنفسه... ـ في السير والسلوك والتهذيب أيضاً, فلا مخصّص لعموم هذه الأدلة وحصرها في خصوص الرسالة العمليّة, بل هي شاملة لجميع ما تحتاجه الأمّة, وعلى رأسها مسائل الهداية والتربية والتزكية.
كلّ ذلك يجعلنا نصرف ما يوحي بعدم الضرورة إلى المرشد الخبير إلى معنى آخر, ألا وهو ضرورة عدم اليأس وعدم الإحباط وعدم التوقف في حالة عدم الظفر بالمرشد الخبير, فعلى السالك ـ حينما لا يتشرّف بالمرشد الخبير ـ أن لا ييأس ولا يتوقّف عن المجاهدة, بل عليه أنْ يعمل بما يعلم وبما عرّفه الله وحمّله إياه, وسوف يمنّ الله عليه ـ ببركة مجاهدته وسعيه وعمله والتزامه بما يعلم ـ بالمرشد الخبير والعالم القدوة الذي جرّب وسبق وبلغ المراد وفاز بالرضوان والفلاح, فيأخذ بيديه ويعلمه كلّ ما يحتاجه لإكمال الطريق والسير قدماً إلى لقاء الله تعالى.
نعم, لا يمكننا أيضاً نفي الأبواب الأخرى التي يهدي الله بها عباده, فإنّ لله أبواباً من الهداية قد يفتحها للإنسان من باطنه وقلبه ونفسه, وكما ورد في الحديث الشريف: «إذا أحبّ الله عبداً أدّبه في منامه», ولكن لا ينبغي أن نبني على هذه القاعدة أساساً نلغي معه جميع ما أمرنا الله به من وجوب التعلّم والبحث عن الحكيم المرشد والخبير المعلّم.
لذلك يؤكّد علماء السير والسلوك بأنّه لو بقي السالك إلى الله يبحث عن الأستاذ نصف حياته فلا يكون قد أسرف, لأنّ النصف الثاني سيكفيه للوصول ببركة المرشد الخبير الذي سيختزل عليه الطريق إن شاء الله.
وأمّا قول الإمام الصادق عليه السلام «ليس العلم بالتعلّم بل نور يقذفه الله في قلب من يشاء» فذاك العلم العملي والوجداني, وليس العلم النظري الذي يتعلّمه السالك من مرشده ظاهرياً, فالمراد بالنور الذي يقذفه الله في القلب هو نور المعرفة الشهوديّة التي تُشعر السالك بالله تعالى, وتريه ربّه بواسطة قلبه ووجدانه وشهوده, وتجعله على يقين بحيث إنّه لو كُشف له الغطاء لما ازداد يقيناً, وهذا العلم ليس كسائر العلوم النظريّة التي تأتي بالحفظ والاستذكار والتعلّم الظاهري, بل هو علم شهوديّ يحصل للسالك ببركة المجاهدة والصبر على النوائب, والتحمّل والتركيز, والاهتمام والمراقبة, والابتعاد عن الدنيا وكثراتها, والتعلّق بشهواتها وغفلتها, وهجران الهوى واللهو الذي يفقد الإنسان رأسماله الوجوديّ ويذهب طيّباته في الحياة الدنيا.. ولا يخفى أنّ جميع ذلك إنّما يأتي ببركة متابعة المرشد والعمل على القواعد والمباني السلوكيّة التي يوضّحها المرشد الخبير للسالك, فمن يعمل يصل إلى مرحلة العلم الشهودي.
وعليه, فمن لم يوفّق ـ في بعض الأحيان ـ إلى اللقاء بالخبير والمعلّم, كان عليه أن يعمل بما لديه من القواعد الشرعيّة والعقليّة والسلوكيّة, فإنْ عمل وأخلص وثابر والتزم بما لديه من هذه المعلومات والقواعد, فسوف يمنّ الله عليه ـ بلطفه وكرمه ورحمته ووعده الصادق {والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا} }ـ بالهداية لكلّ ما يحتاجه من قواعد سلوكيّة وشرعيّة لمرحلته, وذلك بأن يوفّقه للعالم والمرشد الخبير إن شاء الله, فالعمل بالتكليف يفتح أبواب المعرفة سواء بواسطة معرفة الخبير والمرشد, أو بواسطة العلم الباطني والشهودي, وقد ورد عن الإمام الصادق ـ في حديث ـ لعبد الله بن سنان, أنّه قال عليه السلام:«كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علماً يرى؟! فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق، فقال أبي: هذا والله البلاء، فكيف نصنع جُعلتُ فداك حينئذ؟ قال: إذا كان ذلك ولن تدركه فتمسّكوا بما في أيديكم حتّى يتّضح لكم الأمر».
وبذلك نكون قد وازنّا بين كلا القاعدتين وجمعنا بينهما دون تناف أو تعارض, فالقاعدة الدائمة تقضي أن يرجع الجاهل إلى العالم ويرجع التلميذ إلى المرشد الخبير, فإن وفّقه الله إليه فلا يقصّر في الطاعة والتبعيّة والاستفادة, وإن حال الله بينه وبين المرشد أحياناً, كان عليه أن يعمل بما لديه من قواعد ومعلومات شرعيّة وسلوكيّة, وسوف يحاسبه الله على أساس ما علّمه وآتاه, ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها. ولكن لا يعني ذلك أنّه يمكننا من الأوّل أن ندّعي الاستغناء عن المرشد والعالم والخبير والحكيم حتى مع وجوده ومكنة الاتصال به والأخذ عنه, اعتماداً على أنّ الله سيهديني بشكل باطني دون أن أتعلّم واستفيد من المرشد الحكيم, فهذا الأسلوب خاطئ وينافي المنهج القرآني والشرعي بشكل كامل, فمع وجود الحجّة الإلهيّة ـ سواء النبي أو الإمام أو العلماء والمرشد ـ يجب الرجوع إليهم, فهؤلاء رسل الله إلى عباده وحجّته عليهم, وعدم الرجوع إليهم يعرض الإنسان إلى المساءلة الإلهيّة والحساب والعقاب, كيف والله تعالى يقول: {وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا}, لذلك نلاحظ أنّ كليم الله موسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام, مع كونه نبياً ورسولاً من أولى العزم, قد طلب من الخضر أن يتتلمذ على يديه ويتعلّم منه بقوله {قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}, فإن كان الأنبياء يرومون وراء المرشد الحكيم ويطلبون لأنفسهم أساتذة يتعلّمون منهم {رشداً}ـ مع كونهم مسدّدين ومؤيّدين بوحي الله مباشرة ـ أفهل يحقّ للبشريّة أن تدّعي الاستغناء عن المرشد الحكيم!!
وفي هذا المضمار أذكّر القارئ الكريم بالبحث الهام الذي يذكره المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه فيما يتعلّق بضرورة المرشد الحكيم, حيث يذكر أدلّة خمسة على ضرورة التتلمذ على يدي المرشد الخبير فيقول في كتاب الروح المجرّد صفحة 44:

[هذا وقد نشب بين الرفقاء في طهران من مريدي سماحة الشيخ الأنصاريّ اختلاف شديد بعد رحلته؛ فكان الحقير يصرّ على أن لا مفرّ من وجود أستاذ لطيّ هذا الطريق وسيره وسلوكه، وأنّ الوديان والمهاوي العميقة المهلكة والعقبات والمرتفعات الشاقّة الصعبة لا يمكن تخطّيهاوعبورها إلا بواسطة الأستاذ، وأنّ طيّ الطريق بتهوّر لن يكون من عاقبته إلا الشقاء والهلاك والسقوط أسيراً في وادي إبليس ومنعطفات النفس الأمّارة تسحقه وتتوطّأه فيها أقدام الشيطان الرجيم.
وكان هناك شخص من مريدي المرحوم الأنصاريّ قدّس الله سرّه والمتردّدين على محضره، وكان قبل ذلك يتردّد على المرحوم القاضي قدّس سرّه، لكنّه كان- أساساً- تلميذاً وملازماً للمرحوم السيّد عبد الغفّار المازندرانيّ في النجف، واسمه...، ولا يزال بحمد الله على قيد الحياة حتّى الآن. وقد قام هذا الشخص بمخالفة اقتراح الحقير وبدأ معارضته فكان يتحدّث في مجالس ومحافل أنس الأصدقاء ببيان جذّاب ملفت للأنظار، يمكنه بسهولة أن يستلفت إليه أفكار السالكين وخاصّة غير المتعلّمين والدارسين منهم، طارحاً بإلحاح مسألة عدم الحاجة إلى أستاذ؛ وكان كلامه وحديثه يتضمّن عدّة مطالب:
الأوّل: إنّ الأستاذ الحقيقيّ هو إمام العصر والزمان عجّل الله فرجه الشريف، وهو حاضر وناظر وحيّ ومحيط بعالمنا، فهو مطَّلِع على أمور كلّ سالك وحالاته، فهو يوصله على أكمل نحو وأتمّه إلى نتائج السلوك. ونحن الشيعة مكلّفون أن نذكره في الأدعية والزيارات، فنسلّم عليه ونعرض حاجاتنا عليه لهذا السبب. أوَليس من الخطأ- مع الاعتقاد بالإمام الحيّ والدعاء بتعجيل فرجه- أن تُطلب الحاجات من غيره ويُستمدّ العون من أستاذ سواه؟! أوَليس من المخجل- مع وجود الإمام الحقيقيّ الممتلك للولاية الكلّيّة الإلهيّة- أن يمدّ الإنسان يد الاستعانة إلى الأستاذ الذي هو مثله يخطئ ويسهو؟!
الثاني: إنّ ما يعلّمه الأستاذ للإنسان ليس إلا ظهورات نفسه هو؛ وحقّاً! أيمكن لأحد أن يتخطّى حدود نفسه ويتجاوزها؟!لذا، فإنّ التبعيّة للُاستاذ تمثّل متابعة أفكاره وآرائه، والجري على نهجه وطريقه النفسانيّ، وهو أمر خاطئ بلا ريب. لأنّ الله سبحانه خلق الإنسان فوهبه قوّة الاستقلال والتعقّل بنفسه؛ أفليس من الحيف والظلم أن يحطّم الإنسان هذه القدرة، ويقضي على العزّة والاستقلال الموهوبَينِ من الله، فيصبح تابعاً لشخص هو مثله لا غير؟!
الثالث: لقد وهب الله تعالى للإنسان القوّة التي يمكنه بها الاتّصال بعالَم الغيب واكتساب حاجاته منه، وعلى الإنسان أن يصل إلى الحقائق عن طريق المكاشفات؛ لذا فإنّ التبعيّة للعلماء أمر خاطئ أيضاً، لأنّهم يحصلون على الأحكام من عمليّات الإضافة والطرح والضرب والقسمة، ويجعلون الأحكام عن طريق صياغة القواعد، فالتبعيّة لهم لن توصل الإنسان للحقيقة. وكيف- يا ترى- يرجع الناس إلى ذلك العالِم الذي يفتقد نفسه العلم فلا يعرف طريق صرف الوجوه الشرعيّة في مظانّها فيستأمنونه على أموالهم وحقوقهم؟! لذا فإنّ على الجميع أن يسيروا بالتزكية والأخلاق الإنسانيّة والإسلاميّة فيوصلوا أنفسهم إلى الملكوت ويأخذوا أحكامهم الضروريّة منه.
الرابع: إنّ روح المرحوم الأنصاريّ حيّة، وإنّها تدرك معاناة الرفقاء وعشّاق الدرب وطريق الله فتعينهم. على أنّ قدرة روح سماحة الأنصاريّ أقوى بعد موته، لأنّها قد خلعت لباس عالم الكثرة ولَوَث الطبيعة ووصلت إلى التجرّد المحض الأبديّ؛ وسيكون- لذلك- في صدد تكميل رفقائه السلوكيّين على نحو أفضل وأشمل وأسمى.
أوَ لم يكن زمن حياته بسعته وامتداده مراقباً ومواظباً لحال رفقائه في اليقظة والنوم، وفي السرّ والعلن، وفي الغياب والعيان، وفي السفر والحضر؛ مع أنّه كان أسير عالم الطبع والبدن والطبيعة؟ أفيمكن أن‏لا يدير امور رفقائه بشكل أفضل؟ مع أنّه من المسلّم أنّ تجرّده بعد موته أقوى، وإحاطته أكثر، وعلمه أوفر؟! ومن ثمّ فإنّ الرجوع إلى غير الأنصاريّ هتك لحرمة الأنصاريّ وكسر لحريمه، وهو ذنب لا يُغتفر.
الخامس: إنّ المرحوم الأنصاريّ نفسه لم يكن له أستاذ، فقد سمع الجميع قوله: «لم أتتلمذ على يد أستاذ؛ ولقد طويتُ هذا الطريق بلا دليل ولا معلم». وحين يقرّر هذا الأمر ذلك المرحوم الذي تعترفون بأستاذيّته وبقدرته على فهم أسرار البشر، فكيف تريدون أستاذاً؟! أصرتم تفوقونه في الإخلاص والمعرفة مع أنّكم تلاميذه ومريدوه؟!
ولقد كان هذا الشخص المحترم يسكن كربلاء، وقد جاء أخيراً إلى طهران للزيارة، وكان له مع الرفقاء من أهل طهران روابط عميقة، ثمّ عاد بعد ذلك إلى كربلاء. وقد ذكرتُ أنّه كان من ملازمي المرحوم السيّد عبد الغفّار المازندرانيّ، أحد العُبّاد المعروفين في النجف من أهل الزهد والتقوى، وكانت تحصل له أحياناً مكاشفات مثاليّة وصوريّة؛ لكنّه كان مخالفاً بشدّة لأهل التوحيد، وكان يُدين في مجالسه ومحافله العرفاء الأجلاء الإلهيّين الأعزّاء وأهل التوحيد ببيانه وسيرته.
وكان سماحة السيّد الحدّاد يقول: قال لي سماحة السيّد يوماً (ويعني السيّد القاضي): لقد كان لي مع السيّد عبد الغفّار علاقات صداقة نوعاً ما، لكنّه شرع الآن بالمعارضة بكلّ قواه. وكنتُ دوماً اسَلِّمُ عليه حيثما التَقَيْتُه في الطريق، فصرتُ أخيراً اسلِّم عليه فلا يردّ عَلَيّ؛ ولذا فقد عقدت العزم أن لا أسلِّم عليه بعد الآن. وقد نقل نفس هذا الأمر سماحة الشيخ القوجانيّ وأضاف: لم يكن السيّد عبد الغفّار من أهل التوحيد، بل كان يكتفي بالأدعية والأذكار والتوسّلات والزهد.
نعم، لقد أثار ذلك الشخص المحترم تلك الضجّة في طهران، والتي‏أيّده فيها بعض الرفقاء في طهران ممّن كان يمتلك مقاماً في السلوك (وقد ارتبط معه مؤخّراً بعلاقات النسب)، فصار هو الآخر يتحدَّث في الجلسات والاجتماعات عن عدم الحاجة إلى استاذ.
وكان لهما- مضافاً إلى ذلك- مخالفة شديدة في أمرين آخرين:
الأوّل: عدم الحاجة، بل عدم صواب الالتزام بالذِّكر والورد والفكر والمحاسبة والتأمّل والمراقبة، بل خطأ ذلك.
والثاني: خطأ الرياضات المشروعة، وأيّ التزام في نوعيّة وكمّيّة الغذاء والصيام وصلاة الليل وأمثال ذلك؛ وكانا يسعيان لإثبات رأيهما ببيانات شيّقة وجذّابة ومفصّلة تدوم أحياناً ساعات متتالية.
وكان الحقير زمن ارتحال آية الله الأنصاريّ في سنّ الخامسة والثلاثين، وكان ذانك الشخصان بمثابة الأب لي من ناحية العمر؛ فقد كانا أكبر منّي سنّاً وأمْيَل إلى سنّ الشيخوخة، فكنت غالباً ما ألتزم جانب السكوت والإصغاء في المجالس، ولم يكن لي أساساً مجالٌ واستعداد لإثارة الجلبة والضجّة، ولربّما كنت أحسّ بقدر من الاحترام لهما باعتبار سابقتهما، ممّا سبّب في أن تصبح تلك المجالس خاضعة بأجمعها لنفوذهما وتأثيرهما، حتّى أ نّ بعض المعمّمين من الذين تربطهم بالحقير نسبة سببيّة وبعضاً من الرفقاء التجّار شغفوا بأجمعهم بذلك الاسلوب وتلك الطريقة.وبالطبع فقد كنتُ أذكّر تكراراً ومراراً، بالنسبة لذينك الشخصين المحترمين وبالنسبة إلى البعض الآخر منهم، أنّ هذا الاسلوب ليس صحيحاً وأنّ الحاجة إلى أستاذ والالتزام بالذِّكر والمراقبة والتأمّل هي من أركان السلوك، فلا يمكن بدونها أن تُخطى خطوة واحدة للأمام. وأنّ التجمّع والسهر حتّى الصباح بقراءة أشعار حافظ وذكر الصالحين وسيرة الطالبينوإثارة المجالس بهذا النحو، ثمّ تناول طعام العشاء والانشغال بهذه الامور إلى وقت متأخّر من الليل، ثمّ النوم بلا تهجّد، والقناعة والاكتفاء بفريضة صلاة الصبح وحدها؛ كلّ هذا لن يصحّ دواءً لداء، ولن يُزيح عقبة من أمام أقدام السالك. وبالطبع فإنّ هذه المجالس ستكون جيّدة لو اقترنت بالتعاليم السلوكيّة العميقة من المشارطة والمراقبة والمحاسبة، بالشكل الذي يجعل السالك في السوق وإلى جانب الميزان وفي المعاملات التجاريّة وسائر الامور الاخرى في نشاطٍ ومراقبة كما هي حاله في هذه المجالس! لا أن يذهب صباحاً إلى عمله بلا التزام ورقابة باطنيّة، فيقوم ببعض المعاملات الربويّة والمصرفيّة والمعاملة بالصكوك والكمبيالات، أوأن يرتكب لا سمح الله عملًا غير صحيح وصائب أثناء عمله وفي زحام السوق والمعاملة، فيتحلّل من كلّ قيد ويفعل ما يحلو له، ثمّ يُبهج نفسه بحضور الجلسة الليليّة! فهذا الاسلوب خاطئ لا ميزة له ولا فضيلة، بل يؤدّي إلى إتلاف العمر والانشغال ببعض الامور التي تستهوي القلوب، شأنه في ذلك شأن سائر الطبقات الأخرى.
ولقد أوضح الحقير هذا الأمر وبيّنه لمشرفي تلك الجلسات ومديريها واحداً واحداً (لا لجميع الأفراد فرداً فرداً) بالرغم من قيامي في بعض المجالس بتفسير القرآن حسب طلب الرفيق والصديق الشفيق والعاشق الحقيقيّ للإمام الحسين عليه السلام المرحوم الحاجّ المشهديّ هادي خان صنمي الأبهريّ، ذلك الشيخ الواله المتحمّس المحزون صاحب القلب المضني الأسير، الذي كان يحبّ قراءة القرآن وتفسيره في الجلسات، فكان يطلب منّي القيام بذلك؛ فكنت أشير ضمن بيان التفسير باستمرار إلى جميع نقاط ضعف أسلوب وأفكار اولئك السادة بشكل إجماليّ وعامّ، وكانت هذه التفاسير تصل بالطبع إلى آذان الجميع فتتمّ الحجّة بذلك عليهم.
هذا وقمت مرّات عديدة برفض تلك الأدلّة الخمسة، وصار ثابتاً للجميع أنّ ما يقوله الحقير صحيح وصائب.
أمّا الجواب الأوّل فهو: من الصحيح أنّ إمام العصر والزمان عجلّ الله تعالى فرجه الشريف حيّ وحاضر وناظر لجميع الأعمال، وأنّ له الولاية الكلّيّة الإلهيّة حسب عقيدة وإيمان الشيعة، فهو تكويناً وتشريعاً في مصدر الولاية ومنهل الأحكام وجريان الأمور؛ ولكن هل يُغلِق هذا الاعتقاد والعقيدة طريقنا إلى الأستاذ؟! أوَ يوصلنا- بلا تعليم منه وبلا إطاعة لإرشاداته- في طريقنا في السير والسلوك إلى مقصدنا؟! أوَيجعلنا نطلب العون من إمام العصر والزمان فقط دون سواه وهو الغائب عن أنظارنا فلا مجال لنا في الظاهر للاتّصال به؟!
لماذا- يا ترى- لا نفعل هذا الأمر في سائر المسائل الأخرى؟! لماذا نذهب فنبحث عن استاذ في دراسة الحديث والتفسير والفقه والأصول وجميع العلوم الشرعيّة في الحكمة والأخلاق، فنختار أفضل الأساتذة وأعلمهم في فنّهم، ونقضي السنين المتمادية بل العمر كلّه تحت تعليمه وتدريسه؟! إن كان وجود إمام العصر والزمان يغنينا عن الأستاذ، فَلِمَ لا يغنينا في هذه العلوم؟ في حين تعتقدون وتدّعون أنّ إمام العصر له الإحاطة العلميّة، بلالإحاطة الوجوديّة بجميع العالم ومخلوقاته وجميع علومه وأسراره وبغيب الملك والملكوت، فلماذا إذاً تعدّونه فاقداً للإحاطة في مثل هذه العلوم؟! ثمّ تتحمّلون آلاف المحن والمصاعب والأسفار الطويلة إلى النجف الأشرف، والعيش في حياة بسيطة قاسية، وقضاء سنين متمادية في جوّ النجف وحرارته اللاهبة وتنفّس العواصف الرمليّة السامّة التي تقتلع الرمل والحصى من الأرض فيغبرّ لها الجوّ ويظلمّ ويستحيل النهار ليلًا بهيماً، ثمّ تعيشون في السراديب العميقة ذات السلالم التي يصل‏عدد درجاتها إلى اثنتي عشرة درجة أو خمساً وعشرين أو خمسين؛ كلّ ذلك لتحصيل العلم، ومن أجل أن تصبحوا أخصّائيّين مجتهدين، وفلاسفة ومفسّرين، ومحدِّثين وأدباء بارعين.
فلو جلستم في بيوتكم واكتسبتم هذه العلوم عن طريق التوسّل بإمام العصر والزمان لكان أيسر لكم وأسهل كثيراً!
فهل تكون العلوم الباطنيّة والعقائد والمعارف والأخلاق، والمرتفعات العسيرة الصعبة العبور إلى عالم التوحيد، وبيان منجيات الدرب ومهلكاته، وإراءة طرق التسويلات الشيطانيّة وكيفيّة التخلّص منها، ومعرفة حقيقة الولاية ودرجات التوحيد في الذات والاسم والصفة والفعل وأمثالها أهمّ؛ أم دراسة الصَّرف والنحو والأدب والفقه والتفسير والحكمة؟ ستقولون جميعاً: إنّ الأمر الأوّل أهمّ، لأنّ كمال سعادة الإنسان وشقائه مرتبط به.
ونسأل: كيف يعسر على إمام العصر العمل في مثل هذه الأمور غير المهمّة وفي هذه العلوم الظاهريّة السطحيّة، فتشيدون لأجلها المدارس والمساجد والمكتبات وتتحمّلون مشقّة الأسفار الخطيرة؛ بينما يتمكّن من ذلك في تلك الأمور الأهمّ والأدقّ والأعظم، فتفوزون بها بلا سبب ولا وسيلة؟! لا مفرّ من أن تجيبوا أن ذلك متعذّر على إمام العصر في الأمرين والحالين، أو أنّه لا يتعذّر عليه في كليهما معاً!
أمّا حلّ المسألة: فهو إنّ جميع الأمور والشؤون في يده المباركة، لكن هذا الأمر لا يستلزم تعطيل سنّة الأسباب؛ كما أن جميع الأمور بِيَدِ الله ولم يستلزم ذلك تعطيل سلسلة الأسباب والمسبّبات، وذلك لأنّ الأسباب والمسبّبات هي تحت الإحاطة الشاملة لعالم التوحيد والولاية. فالسعي للتعلّم سواء في الأمور الظاهريّة الفقهيّة أو في الأمور الباطنيّة الوجدانيّةخاضع للإحاطة التكوينيّة والتشريعيّة في كلا الحالين.
ومن ثمّ فإنّ البحث عن أستاذ والانضواء تحت سيطرته وتربيته، ليس فقط غير منافٍ لولايته عليه السلام، بل هو مؤيّد ومُمْضٍ وممدّ لذلك النهج وتلك الطريقة في نزول النور من عالم التوحيد إلى هذا العالم.
ولو صحّ أمر عدم الحاجة للأستاذ في العلوم العرفانيّة- حسب منطقكم- للزم منه استغناء الناس عن الأستاذ في جميع الصنائع والحرف من التجارة والبناء والطبّ والصيدلة والتعدين وسائر العلوم الطبيعيّة، وحلّهم مشاكلهم بتوجّههم للإحاطة العظيمة الولائيّة لإمام العصر عليه السلام. أوَيُقنع هذا الكلام أيّ إنسان- حتّى المتوحّش في الغابات- فيلتزم به؟! أوَيمكنه أن يجعله برنامج حياته ومعيشته؟!
أمّا جواب الإشكال الثاني: فصحيح إنّ من يتابع الأستاذ، فإنّه سيتبع طريقته واسلوبه النفسيّ، لكنّه في المقابل لو عمل وفق رأيه هو، لكان قد عمل بطريقته ووفق هوى نفسه. فالكلام ينحصر في الأمر التالي: أيّهما أفضل في إيصال الإنسان إلى المقصود، ولاية الأستاذ ونفسه الروحانيّة والملكوتيّة، أو نفس السالك في بداية الطريق: تلك النفس الملوّثة والفاسدة؟!
فلو تبع ولايةَ الأستاذ لصارت نفس الأستاذ هادية لوجود السالك؛ ولو عمل بإرادته واختياره هو- مع تلوّثه- لصار قائداً وهادياً لنفسه. هذا مع الافتراض أنّه سالك وليس رجلًا كاملًا، وأنّه يسير في الطريق ولم يطوه بعد؛ لذا فإنّ رغباته ستنبع من النفس الأمّارة والتسويلات الشيطانيّة، وسيكون غروره واستقلاله أشبه بغرور النفس البهيميّة واستقلالها، يضرب ويكتسح ويكسر ويدمّر، كالحيوان الهائج وكالفرس بلا عنان، لكنّ الأستاذ يأتي فيلجمه ويضع عليه العنان والركاب فيصبح مروّضاًجاهزاً للقيادة.
لقد عمل أمثال نيرون وشابور ذي الأكتاف وهتلر وبلعم باعوراء وجميع المستكبرين في كلّ عصر وزمان بقوّة استقلالهم النفسيّ، وكانوا لا يخضعون لأستاذ ومربٍّ أخلاقيّ؛ فجرّوا العالَم بنفسهم الأمّارة إلى الدمار وسفك الدماء والويلات، وارتكبوا فيه المجازر وأحالوه جحيماً لا يُطاق.لكنّ أولئك أنفسهم لو خضعوا لولاية الاستاذ وتبعوا سيره النفسيّ لتحطّم غرورهم وانهار كبرياؤهم واستبدادهم، ولصاروا أمثال سلمان الفارسيّ ورُشَيد الهَجَريّ وإبراهيم الأدهم ونظراءهم.
لم يكن لمعاوية فرق مع حِجْر بن عُدَي سوى أنّ الأوّل كان يعمل بإرادته المستقلّة، وكان الثاني يخضع لتربية الأستاذ؛ فصار ذلك جهنّماً وآل هذا رضواناً.
أفتمثّل مسألة الشيطان والغرور وجهنّم في الآيات القرآنيّة غير مسألة النزوع إلى الاستقلال ورفض الخضوع إلى التعليم والتربية؟!
أمّا الإجابة على الإشكال الثالث: فصحيح أنّ هناك قوّة أودعها الباري في غريزة الإنسان وفطرته يمكنه بها الاتّصال بعالَم الغيب، ولكن هل هذه القوّة موجودة بالفعل في جميع سكّان العالم؛ أم أنّ هذه القابليّة تكتسب فعليّتها إثر تربية الأستاذ وتعليمه، فتتجلّى إذ ذاك هذه القابليّة وتتفتّح هذه البراعم الكامنة في أكمامها؟!
أيمتلك- يا ترى- جميع البشر، العالِم فيهم والعامّيّ، والشريف فيهم والوضيع، هذه القدرة التي يمكنهم بها اكتساب الحقائق من عالم الغيب؛ أم أنّ هؤلاء قلّة لا يمكن العثور على أحدهم ولو بين عدّة ملايين؟! ومن ثمّ فهل ستثمر الإحالة إلى عالَم الغيب إلا الإحالة إلى الشيطان والخواطر الإبليسيّة في طيّ الطريق، وإلى أوهام وأفكار الجنّ‏المتمرّدين، وإلى التسويلات الضالّة والمضلّة للنفس الأمّارة؟!
إنّ طريق كسب الأحكام في زمن الغَيبة هو الطريق المعهود للفقهاء، وعلى عامّة الناس أن يأخذوا الأحكام عن طريق التعلّم والتعليم والدرس والتدريس وبيان روايات الأئمّة المعصومين، وأن يسيروا على نهج الفقهاء ويقتفوا آثارهم. وهو أمر تقرّه الأدلّة القطعيّة والشواهد اليقينيّة، وطريق أوحد لا يوجد سواه تبعاً لضرورة الإجماع المسلّم للمسلمين ولجميع الشيعة. فلا مناص لعامّة الناس إلا في الرجوع إلى العلماء والفقهاء، وإلا لهَوَوا في فم الشيطان الفاغر، فصاروا لقمةً سائغة يزدردها دفعة واحدة.
أمّا الإجابة على الإشكال الرابع: فإنّ هذا الاستدلال هو عينه استدلال عمر حين قال أن لا حاجة لنا بعد رسول الله بالإمام الحيّ؛ فسنّة رسول الله في أيدينا وكتاب الله يكفينا: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، كَفَانَا كِتَابُ اللهِ.
فإن كانت روح آية الله الأنصاريّ كافية بعد موته للقيام بتدبير أمور العالَم الظاهريّ، فلا حاجة لأستاذ حيّ حرّ مهذّب منزّه عن هوى النفس، فلِمَ أورد رسول الله صلى الله عليه وآله كلّ هذه التعليمات والتأكيدات والبيانات والخطب في الرجوع إلى أميرالمؤمنين عليه السلام؟ ولِمَ أخّر تلك الجموع الحاشدة عند الرجوع من حجّة الوداع في رمضاء الصيف في الجُحفة في بقعة غدير خم، ليخطب فيهم تلك الخطبة الغرّاء البليغة؟ أكانت روح آية الله الأنصاريّ أقوى أم روح رسول الله؟!
ولِمَ أوصى أميرالمؤمنين عليه السلام للإمام الحسن المجتبى؟ ولِمَ أوصى كلّ إمام من الأئمّة عليهم السلام للإمام الحيّ الذي يليه؟ وها نحن في زمننا هذا نقول بوجود الإمام الحيّ؟ ونعتقد أن قضاء الحاجات وقبول التوسّلات وتدبير أمور العالَم بِيَدِ وليّ الله المطلق الأعظم الحجّة بن‏الحسن العسكريّ أرواحنا فداه؛ بالشكل الذي يرجع فيه التوسّل بكلّ إمام ووليّ متوفّى إليه عليه السلام، فيجتمع رتق الأمور وفتقها بِيَدِه المباركة.
ولِمَ عمد كلّ نبيّ إلى تعيين وصيّ له وخليفة من بعده؟ فلقد كان يكفي- حسب قولكم- أن يقول لجميع الأمّة: إنّ روحي ستصبح أقوى بعد موتي وإنّها ستصبح أكثر تجرّداً، وسأعينكم وأهديكم إلى معارج الكمال ومدارجه أفضل ممّا كنت أفعل أيّام حياتي؛ فلا حقّ لكم أن ترجعوا إلى أحد من عظماء أمّتي المعنويّين والروحيّين، بل ادعوا أن يُعجَّل لي بموتي ليزداد تجرّدي ويمكنني إذ ذاك أن أربّيكم تربيةً أفضل وأكثر خلوصاً ونزاهة!
أستحلفكم بالله! أليس هذا هو مفاد ذلك القول ولا شي‏ء آخر سواه؟! أوَيمثّل مجمل كلام عمر وعصارته شيئاً غير هذا؟!
فيا أيّها العزيز! إنّ من الثابت الذي لا شكّ فيه حسب الأدلّة الفلسفيّة والبراهين الحكميّة والمشاهدات العينيّة والروايات والأحاديث الواردة، أنّ جميع الموتى بلا استثناء يصبح تجرّدهم بعد موتهم أكثر، أي إنّهم يتوغّلون أكثر في فناء التوحيد في الذات؛ وهذا ما يستلزم انصرافهم عن عالم الطبيعة، بل وانصرافهم عن عالم المثال والصورة، ولهذا فإنّ البرهان القطعيّ قائم على ضرورة ووجوب وجود الإمام والمربّي الحيّ إلى يوم القيامة؛ فلو لم تتّصلوا بالمربّي الحيّ ولم تعملوا بتعاليمه وتقتفوا آثاره، وجلستم إلى يوم القيامة في انتظار أن تربّيكم روح الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، لرحلتم عن هذه الدنيا بأيدٍ خالية تجترّون حسرة الندامة! ولبقيتم كالثمرة الفجّة التي لم تنضج بعد! ولربّما انحدرتم من حيث لا تشعرون في مهاوي النفس الأمّارة والشيطان، تحسبون أنّكم قد نلتم الرقيّ والرفعة؛ بينما تُبتلون بعقاب الله الدنيويّ: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ‏ لا يَعْلَمُونَ! فلِمَ تنتظرون إفادات وإفاضات المرحوم الأنصاريّ قدّس الله نفسه بعد وفاته؟! أوَلم تكن منذ هبوط آدم على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام إلى الآن روح أفضل وأقوى منه وأكثر تجرّداً؟ ولِمَ لا تنحازون إلى روح نوح عليه السلام فتقولون: إنّ تجرّده بعد الموت أفضل، لذا فإنّ بإمكانه أن يدير امورنا أفضل، فلا حاجة لنا معه إلى مربٍّ حيّ؟! ولِمَ لا تتوسّلون بموسى وعيسى عليهما السلام؟ أوَلم يكونا من الأنبياء أولي العزم؟
إنّ دليلِي الواضح القاطع هو: هل قمتم بتربية شخصٍ موحِّد واحد كنموذج لما تدّعونه منذ زمن ارتحال آية الله الأنصاريّ في الثاني من ذي القعدة 1379 ه-. ق وحتّى يومنا هذا: الرابع والعشرين من شهر رجب المرجب لسنة 1412 ه-. ق، حيث تنقضي مدّة ثلاث وثلاثين سنة؟! وهل ربّيتم شخصاً اجتاز عالم المثال والعقل ووصل إلى التجلّيات الذاتيّة؟! أرونا إيّاه لطفاً، فها هم عشّاق وادي الحقيقة يبحثون عن شخص كهذا شارعاً فشارعاً وبيتاً فبيتاً! فاعلموا إذاً أنّ هذا الدرب خاطئ، وأنّه ليس إلا درباً للظُّلمة! وأنّ تحمّل مسؤوليّة تربية جماعة ثمّ تركهم أحراراً وإيكالهم إلى إرادتهم واختيارهم بلا مربٍّ ولا معلِّم ليس إلا تضييعاً للنفوس القابلة، وإبطالًا للموادّ المستعدّة.
أمّا الإجابة على الإشكال الخامس: فإنّ ما يستفاد من بيانات سماحة الشيخ الأنصاريّ أنّه قد حضر عند الأعاظم، ومن جملتهم رجلٌ مجذوب‏كان يأتي إلى همدان فيجني من جبال «ألبُرْز» عشباً خاصّاً فيجمعه؛ كما كان يتردّد كذلك على بعض تلامذة المرحوم آية الله الميرزا جواد الملكيّ التبريزيّ قدّس الله تربته، كالسيّد الحاجّ حسين الفاطميّ والسيّد الحاجّ محمود، وكان له معهم مذاكرات ومباحثات.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ طريق ذلك المرحوم لم يكن صحيحاً في بداية أمره؛ فقد قال للحقير مرّة: «حين ذهبتُ إلى قم للدراسة كنتُ في محاربة أهل العرفان، وكان لي خصومة شديدة مع أحد المعروفين منهم في همدان، الذي كان يدّعي هذه المطالب. وكنتُ بعد ذهابي إلى قم أمارس بعض الرياضات لتسخير الأرواح والجانّ، لكنّ الله رحمني فأنقذني من وسط هذا الطريق الضالّ، وهداني نحو الحقّ والحقيقة والعرفان الإلهيّ؛ وكانت مشيئة الباري أن يمنَّ على هذا العبد الضعيف بهدايته». ثمّ أضاف: «من كان له اتّصال بالجانّ- ولو بمسلميهم- فسيرحل عن الدنيا كافراً في النهاية».
وكان رحمه الله يقول: «وبعد أن بصَّرني الله تعالى بخطأ ذلك الأسلوب وأنّ طريق الحقّ في عشق الله والعبوديّة له، بقيت وحيداً لا أعلم ما العمل، وكيف الخلاص! فكنت أهيم على وجهي في الجبال والبراري وحيداً إلى غروب الشمس، ودام تحيّري وضياعي على هذا المنوال أربعين أو خمسين يوماً، حتّى بلغت أقصى درجات الاضطرار، فحُرِمت الطعام والنوم؛ ثمّ برقت في قلبي في تلك الحال بارقة الرحمة، وداعبني النسيم العليل من عالم الربوبيّة، فاستطعت أن أبصر طريقي».
وكان هذا الاكتشاف للدرب هو الذي فتح له باب المكاشفات، ثمّ وصل أخيراً إلى المقصد وصار يمتلك التوحيد الذاتيّ الإلهيّ. ولكنّ رفقاءه من همدان يعلمون وحدهم أيّ محن ومشاكل قد تحمّل في سبيل ذلك، ثمّ‏رحل وهو في عنفوان الرشد والكمال الروحيّ وقد أينعت ثمار شجرة التجرّد التامّ والتوحيد الكامل لديه؛ أي في سنّ التاسعة والخمسين. وبالتأكيد فإنّه لو كان قد اهتدى في سلوكه إلى استاذ كامل لأزاح جميع هذه المشاكل والعقبات من طريقه، ولعمّر إلى سنّ السبعين أو الثمانين كأغلب العظماء، مثل المرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمدانيّ والشيخ محمّد البهاريّ الهمدانيّ والحاجّ الميرزا علي القاضي.
إن أفضل دليل على الحاجة للأستاذ هو قول ذلك المرحوم نفسه: «لقد بحثتُ طويلًا في قم بلا جدوى، عن أستاذ كامل خبير ينفعني ويُشير لي إلى طريق العلاج والخلاص، لذا فقد أصبت بمحنة وقادتني المحنة والاضطرار».
ولو وجد المرحوم أستاذاً في بلدة قم الطيّبة آنذاك، لرجع إليه‏بلا تأخير؛ وكان بنفسه يقول: «كان المرحوم آية الله الميرزا جواد قد رحل عن الدنيا آنذاك».
ولو انتفت الحاجة للأستاذ، فكيف كان المرحوم الأنصاريّ يعتبر نفسه أستاذاً للطريقة ويعطي طريقةً للعمل؟! ولقد أعطى للحقير تعليمات في النجف الأشرف حين قدم إليها للتشرّف بالزيارة، وكان يبعث لي بتعليماته خلال إقامتي في النجف الأشرف بعد زيارته لها- ودامت أربع سنوات- وبعد عودتي إلى طهران طيلة السنوات الثلاث التي سبقت رحلته، حتّى أنّه أعطى للحقير الأوراد الواردة التي لم يعطها لأحد سوى المرحوم آية الله الشيخ حسن علي نجابت وحجّة الإسلام السيّد عبد الله فاطمي الشيرازيّ.
وأمّا الردّ على ذلك الشخص الآخر الذي ينتمي إلى ذاك المحترم بعلاقة سببيّة، والذي يصرّ على عدم ضرورة الرياضات الشرعيّة، وعلى إنكار الذِّكر والمراقبة والمحاسبة والتأمّل، بل يعتبر هذه المسائل أمراً خاطئاً مغلوطاً، مضافاً إلى نفيه لضرورة وجود الأستاذ؛ فقد كان الحقير يلفت نظره إلى ذلك تلميحاً لا تصريحاً، فلم يكن ذلك ليجدي نفعاً، فقد كان حاله في وضع يجعله عاجزاً عن القبول بهذه الأمور. ولقد جاء يوماً قبل سنتين إلى البيت المتواضع للحقير في مشهد المقدّسة يصحبه اثنان من رفقائه وأصدقائه، فشرع بدون مقدِّمة بانتقاد أمر اتّخاذ الأستاذ وانتقاد الذِّكر والوِرد وانتقاد الرياضات المشروعة المتداولة، فرأيتُ أنّ السكوت هنا ربّما أدّى إلى إضلال رفيقَيهِ الآخرينِ، فقلت:
«سماحة الحاجّ ... سلّمه الله وأيّده! الجميع يعلم أنّ عملكم السابق هو الزراعة والفلاحة، أوَليس ذلك حقاً؟» أجاب: «بلى!».
فقلت: «إنّ الفلاح يحرث الأرض أولاً، ثمّ ينثر البذور، ثمّ يسقي‏الأرض بالماء، ثمّ ينقّي الحاصل بعد نموّه واخضراره (باستئصال الأعشاب الضارّة التي تنبت قربه كي لا تقضي عليه) ويقوم عند إصابة الحاصل بالآفات برشّه بالسموم، وغير ذلك من الأعمال التي يقوم بها بالنسبة للأرض والبذر والنبات؛ كلّ ذلك ليجني محصولًا جيّداً وسالماً. أوَليس الأمر كذلك؟» قال: «بلى».
قلت: «أيمكن أن ينتج محصول بلا فلاح؟ أوَيمكن عند وجود الفلاح أن لا يقوم بهذه العمليّات، كأن لا يسقي الأرض، أو أن يسقيها فوق حاجتها، أو أن ينثر البذور ثمّ لا يغطّيها بالتراب، أو أن لا يقوم باستئصال الأعشاب الضارّة، أو أن لا يرشّ السموم وأدوية المكافحة؟! وما الذي سيكون عليه وضع المحصول آنذاك؟ أفلا تذهب أتعاب الفلاح أدراج الرياح؟».
أجاب: «بلى!».
فقلت: «فكّروا جيّداً! هل الأمر هكذا أم لا؟».
ردّ قائلا: «لا حاجة للتفكير، فما تقولونه واضح جليّ؛ فالنبات يحتاج للزارع الذي يجب أن يعمل ذلك!».
فقلت: «إنّ أستاذ السير والسلوك- يا عزيزي!- هو ذلك الزارع؛ كما أ نّ الوِرد والذِّكر والمراقبة والمحاسبة والتأمّل هي الماء والشمس والأرض المناسبة، والرياضة هي تحديد مقدار الماء واقتلاع الحشائش الضارّة وإبعادها عن سيقان النباتات المفيدة كي لا تسلبها ثمرة حياتها وغذاءها».ثمّ أردفتُ: «هل سبق لكم أن قمتم بتشذيب أغصان شجرة الكرم؟».
أجاب: «كلا، فلقد كنت مزارعاً، ولم يسبق لي أن عملت في زراعة الأشجار ورعايتها». فقلت: «لابدّ أنّ هناك قرب أرضكم الزراعيّة، بساتين للأشجار المثمرة- قلّت أو كثرت- ولابدّ أنّكم شاهدتم أو سمعتم وعلمتم‏بشكل مُسَلَّم أنّ الشجرة تحتاج للرعاية وللبستانيّ، وتحتاج إلى تعاهد أرضها وتسميدها في أوقات معيّنة وبمقادير معيّنة، كما تحتاج لسقيها بالماء وتشذيب أغصانها؛ فإن أهملت ولم يقم بهذه الأعمال أحد، فإنّ هذه الأشجار ستصبح بلا تعاهد ورعاية كأشجار الغابات طويلة مرعبة لكنّها بلا ثمر، ولن تعطي آنذاك أشجار العنب والمشمش والتفّاح ثمراً، فإن أثمرت كان ثمرها فجّاً مُرّاً وصغيراً لا فائدة فيه. أستحلفكم بالله! أليس ذلك حقاً؟».
قال: «بلى!».
قلت: «إنّ الأستاذ ليس موجوداً هيولائيّاً وغريباً موحشاً ذا قرون ليفرّ منه الناس، بل هو ذلك الفلاح والبستانيّ الذي يلقّب في الزراعة وتعاهد النباتات بذلك الاسم، ويدعى في التربية الإنسانيّة بالأستاذ؛ كما أ نّ الوِرد والذِّكر والمحاسبة والمشارطة والمراقبة كالماء والشمس بالنسبة للشجرة والنبات، واستئصال الحشائش الضارّة وتشذيب الأغصان كالرياضة، فهي للنبات بذلك الشكل وللإنسان بهذا الشكل.
إنّكم تتصوّرون أنّ الرياضة تعني مواجهة الجوع الشديد غير المحتمل وقضاء يوم كامل بتناول لوزة واحدة وأمثال ذلك! لكنّ الأمر ليس كذلك، بل هي بمعنى التربية، ولها مفهوم الترويض والتطويع. وفي اللغة: رَاضَ يَرُوضُ رِيَاضَةً؛ أي التسخير والتذليل.يقول مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام:
وَأيْمُ اللهِ يَمِيناً أسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ لأرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إلى القُرْصِ إذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالمِلْحِ مَأدُوماً، وَلأدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعُهَا.
فالإمام يقول هنا: إنّني ارَوِضُ نفسي واذلّلها واربّيها بهذه الطريقة، فيا له من معنى كبير للرياضة أن تكون بمعنى التأديب!
إنّ النفس الإنسانيّة هيولائيّة، أي أنّها قابليّة محضة واستعداد صرف؛ فإن اهملت تربيتها سقطت في أحطّ الدركات وأسوئها، وفاقت في الوحشيّة كلّ شيطان ووحش مفترس، أمّا لو ادِّبت لارتقت إلى أعلى علّيّين ولفاقت الملائكة».
ثمّ قلتُ: «أليس الأمر كذلك؟» قال: «بلى!».
ولقد بُهِتَ من كلامي بهذا النحو، أمّا رفيقاه فاستبدّ بهما الوجد والشغف، لكأنّ أمراً معضلًا لديهما قد انحلّت عُراه المستعصية. ولقد تصوّر الحقير آنذاك أنّ هذا البيان قد غيّر طريق هذا الشخص ونهجه، وأنّه ليس لديه ثمّة انتقاد لمسألة ضرورة الأستاذ وإعطاء الوِرد والذِّكر وللمحاسبة والتأمّل، ولكن مع الأسف، فحين جاؤوا إلى المنزل مرّة اخرى- بعد سنة تقريباً- وتطرّق الكلام إلى هذه المقولة، رأيتُ أنّه يكرّر نفس المطالب السابقة، فعلمتُ أنّ كلامي وبياني لم يستطع اقتلاع أساس أفكاره المسجّلة واستئصالها، وأنّ ذلك الأسلوب والنهج صار كالعادة التي لها حكم الطبع الثانويّ المقترن بروحه، والمتحوّل جزءاً من غرائزه.
نعم، لقد كان السرّ الحقيقيّ لإعلانات ذلك الرجل وتأييد الرجل‏الثاني له لهذا الأمر هو عدم رغبتهما بالخضوع لولاية وهيمنة الأستاذ السيّد هاشم الحدّاد، مع أنّهما كانا يعرفانه حقّ المعرفة ويعترفان بمقاماته الروحيّة وكمالاته المعنويّة؛ ذلك الرجل الأوحد في سماء التوحيد والولاية. ولم يكن بين تلامذة المرحوم الأنصاريّ شخص يتّفق الجميع على اتّباعه، لذا فقد ظهر هذا التشتّت والاختلاف. لكنّ هؤلاء بقوا بلا أستاذ فلم يلجأوا إلى ركن وثيق، كما أنّهم لم يستفيدوا من الأستاذ الحدّاد، والناس حيارى لا مسلمون ولا نصارى، نعوذ بالله.
ولم تكن تلك الجماعة وذلك الرجل المحرّك خاصّة ليجرؤوا في حضور الحقير على نقد سماحة السيّد الحدّاد، ولكن كان يطرق سمعي أحياناً أنّهم ينتقدونه باحترام وأدب فائقينِ. وحصل أن قال الحقير مرّة في أحد المجالس:
الحدّاد وما أدراك ما الحدّاد؟! فوجم بعضهم وامتقع وجهه، وسمعتُ بعد ذلك أنّه قال للبعض: كيف يصف رجلًا بسيطاً عاديّاً بهذا الوصف؟!
ثمّ تطرّق الحديث ليلة إلى ذكر سماحة الحدّاد، فالتفت ذلك الشخص المحرّك نحوي قائلًا: إنّ الحدّاد يصف الله بالعُري؛ والله لايعرى!
فلم ينبس الحقير ببنت شفة، ثمّ رأيتُ ليلتها في عالم الرؤيا أنّه كان يواجهني فاتحاً فاهه بحيث تبدو أسنانه للعيان، وأنّي ضممتُ قبضة يدي اليمني وقلت له: إن عدت ثانية إلى الانتقاد في مسألة توحيد الحقّ تعالى فسأنهال بيدي على فمك واحطّم أسنانك فيه!نعم! لقد كان ذنب الحدّاد أن يصف الله تعالى منزّهاً بلا رتوش وبلا تجميل، ويشخّص حقيقة معنى «لا إله إلا الله» و «الله لا إله إلا هو»؛ ولكن ما جدوى ذلك مع الآذان الصمّاء والأعين العمياء!وَإذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالأخِرَةِ وَإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أن يَفْقَهُوهُ وَفي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا على أدْبَارِهِمْ نُفُورًا.
ذَلِكُم بِأنَّهُ إذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ الْكَبِيرِ.
ولقد بقي الحقير عند ذلك وحيداً، فلم ينضمّ معي من تلك الجماعة التي كان جميع أفرادها يُظهرون المحبّة والصداقة ويرتبطون معي بسابق المعرفة ولو شخص واحد. بقيتُ وحيداً بكلّ معنى الكلمة. لذا فقد رأيت أن لا مفرّ من اعتزال تلك الجماعة، ومن أن يكون لي مجالس خاصّة مع بعض الشباب النزهاء البسيطين الفقراء من أهل المسجد على أساس أستاذيّة سماحة السيّد الحدّاد ودوره في التربية.
ولقد حصل للحقير حتّى الآن مرّات عديدة لم يقبل فيها كلامي المحقّ ولو شخص واحد، فكنتُ أختار العزلة عن الجمع الكثير الذي ارتبط بكلّ فرد منهم بالعلاقات العائليّة المديدة أو بعلاقات الصحبة والرفقة، وكان هذا المورد أهمّها.
وكنت في هذه الخلافات أحسّ وألمس جيّداً مظلوميّة مولانا وجدّنا أميرالمؤمنين عليه السلام، وكيف تُرِك وحيداً مع تلك السوابق والمعرفة الطويلة. وذلك إثر صدعه بالحقّ وجهره بالصدق، بحيث توجّب على‏حليلته فاطمة- إتماماً للحجّة على هذه الامّة التعيسة- أن تمتطي الدابّة ليلًا فتطرق بيوت المهاجرين والأنصار تسألهم النصرة على أن يشهدوا بالحقّ. فكانوا يقولون: كلامك صحيح يا بنت رسول الله، وكلامك يا عليّ حقّ، ولكن قد مضت بيعتنا لهذا الرجل فلا مجال بعد لفسخها، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به. فيقول عليّ كرّم الله وجهه [عليه السلام‏]: أفكنتُ أدَعْ رسول الله صلّى الله عليه [وآله‏] وسلّم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبوالحسن إلا ما كان ينبغي له؛ ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.
نعم! لقد تنحّى أميرالمؤمنين عليه السلام جانباً عن الجماعة المشركة العاصية لربّها، وأخلد في منزله للعزلة خمسة وعشرين عاماً لا يتجاوز أصحابه عدد أصحاب الكهف، قضاها محزوناً مَغيظاً:
صَبَرْتُ وَفي العَيْنِ قَذَى وَفي الحَلْقِ شَجَى.
ولقد اعتزل الحقير أيضاً جميع هؤلاء وقاطعت محافلهم ونهجهم وسيرتهم، وتوكّلت على الباري ظاهراً وباطناً؛ وحقّاً فكم كان للمرحوم الحاجّ السيّد هاشم روحي فداه من كرامة ومن موقفٍ نبيل! وكم أنجى من السقوط في المواقع الخطيرة وفي مزالق المحيط والأمور الاجتماعيّة! وكم كان شبيهاً بالأمّ الحنون حين كان يأتي من كربلاء البعيدة إلى طهران، يستوي لديه الليل والنهار! وكم كانت مساعداته صحيحة وفي محلّها؛ استبان سرّ بعضها في آنه، وتبيّن بعضها فيما بعد تدريجيّاً، واتّضح أمر بعضها الآن بعد ثمان سنين من رحيله، والله يعلم ما سيظهر بعد!]
الروح المجرّد من صفحة 44 إلى صفحة 65.

نكتفي بهذا المقدار, فإنّ في ما نقلناه كفاية وافية لكلّ مهتم مثابر جاد إن شاء الله.
عودة إلى القائمة