15 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > في رحاب الأولياء > إلى ولدي (شرح وصية العلامة الحلي في السير والسلوك لولده فخر المحققين قدس سره)

إلى ولدي


شرح وصية العلامة الحلي في السير والسلوك لولده فخر المحققين قدس الله أسرارهما

 

الوصيّة

 

(اعلم يا بُني - أعانك الله تعالى على طاعته) فإنّها رأس الدين، وإنّما خلق الله الجنّة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشيّاً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيّداً قرشيّاً، وإنّما خلق الإنس والجنّ ليعبدوه.

(ووفّقك لفعل الخير) ففاعل الخير خير منه، ومن يزرع خيراً يحصد رغبة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة. وسئل أمير المؤمنين  عليه السلام  عن الخير، فقال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم عملك، وأن تباهي الناس بعبادة ربّك، فإن أحسنت حمدتَ الله، وإن أسأت استغفرتَ الله، ولا خير في الدنيا إلّا لرجلين: "رجلٌ اقترف ذنوباً فهو يتداركها بالتوبة، ورجلٌ يسارع في الخيرات". ويجوز أن يريد بالخير المعروف والإحسان إلى الغير، وعنه  عليه السلام: "الخلق كلّهم عيال الله فأحبّهم إليه أنفعهم لعباده"، ويكون المراد بالطاعة العبادات الّتي لا يتعدّى نفعها إلى الغير من الصلاة والصوم ونحوهما.

وعلى الأوّل فإمّا المراد بها العبادات وذكر الخير ذكر خاصّ بعد العامّ، أو الانقياد والاستسلام لقضائه أو لأوامره، والاستسلام لأوامره ملزوم للامتثال الّذي هو فعل الخير بذلك المعنى، (وملازمته) فإنّ الخير عادة، وأحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، (وأرشدك إلى ما يحبّه ويرضاه) من المعارف والأعمال، (وبلّغك ما تأمله من الخير) دينية ودنيوية، (وتتمنّاه، وأسعدك في الدارين، وحباك) فيهما (بكلّ ما تقرّ به العين، ومدَّ لك في العمر السعيد) أي الميمون أو ذي السعادة خلاف الشقاوة، عن النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم: "السعادة كلّ السعادة طول العمر في طاعة الله"، (والعيش الرغيد) أي الواسع، فإنّ ضنك المعيشة يعوق عن كلّ خير، ويؤدّي إلى كفران النعم، بل كاد الفقر يكون كفراً. وعنه قوله  صلى الله عليه واله وسلم: "أللّهمّ أسألك عيشة سويّة"، وقوله: "أللّهمّ إنّي أسألك تعجيل عافيتك"، (وختم أعمالك بالصالحات)

فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "الأعمال بالخواتيم"، وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "من مات على خير عمله، فارجوا له خيراً"، (ورزقك أسباب السعادات) في الدارين (وأفاض عليك من عظائم البركات) في الدين والدنيا (ووقاك الله) أي صانك في الدارين عن (كلّ محذور) في الدين أو النفس أو البدن أو الأهل أو المال أو غيرها (ودفع عنك) فيهما (الشرور- إنّي قد لخّصت لك في هذا الكتاب (يعني كتاب قواعد الأحكام) لبّ فتاوى الأحكام) بالإتيان به محذوف الزوائد، فليس فيه تطويل مملّ ولا إيجاز مخلّ (وبيّنت لك فيه قواعد شرائع الإسلام بألفاظ مختصرة وعبارات محرّرة) عن الحشو والزوائد والتعقيد والانغلاق (وأوضحت لك فيه نهج الرشاد) إلى الشرائع (وطريق السداد) أي إصابة الحقّ فيها، ومن إصابته التردّدات مع الترجيح، ولا معه (وذلك بعد أن بلغت من العمر الخمسين ودخلت في عشر الستين)

وتسميها العرب دقّاقة الرقاب (وقد حكم سيّد البرايا  صلى الله عليه واله وسلم  بأنّها مبدأ اعتراك المنايا) أي ازدحامها، ففي الشهاب عنه  صلى الله عليه واله وسلم: "معترك المنايا ما بين الستين إلى سبعين". وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "أعمار أمّتي ما بين السّتين إلى سبعين".

(فإن حكم الله تعالى عليَّ فيها بأمره وقضى فيها بقدره وأنفذ ما حكم به على العباد الحاضر منهم والباد) من الموت (فإنّي أوصيك)نائب مناب الجزاء أي فاعمل بما أوصيك وصيّة (كما افترض الله عليَّ من الوصيّة وأمرني به حين إدراك المنيّة) في كتابه الكريم وسنّة نبيّه  صلى الله عليه واله وسلم  والكاف إمّا زائدة أو أراد بيان قصور ما يأتي به عما افترض عليه، وكذلك ينبغي للعبد أن يرى ما يأتي به من الفرائض أو النوافل قاصرة وإن بذل فيها مجهوده (بملازمة

تقوى الله تعالى، فإنّها السنّة القائمة) أي الطريقة الثابتة الّتي لا يتطرّق إليها نسخ، أو يجب المواظبة عليها في كلّ حال، ليست كسائر السنن تفعل حيناً دون حين. ولما استشعر من لفظة "السنّة" توهم عدم افتراضها، دفعه بقوله: (والفريضة اللازمة) وإنّها (الجنة الواقية) من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة، فقد قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ  (والعدّة الباقية) للفوز بالدرجات ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى و﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  (وأنفع ما أعدّه الإنسان ليوم تشخص فيه الأبصار) تبقى متفتّحة من غير طرف، للأهوال (وتعدم عنه الأنصار) وعن أبي جعفر الباقر  عليه السلام: كان أمير المؤمنين  عليه السلام  يقول: "لا يقلّ عمل مع تقوى، وكيف يقلّ ما يتقبّل".

وعنه  عليه السلام: "أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه". وعن الصادق  عليه السلام: "ما نقل الله عزَّ وجلَّ عبداً من ذلِّ المعاصي إلى عزِّ التقوى إلّا أغناه الله من غير مال، وأعزَّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر". وقال  عليه السلام  للمفضّل بن عمر:" إنّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى" قال المفضّل: كيف يكون كثير بلا تقوى؟ قال: "نعم، مثل الرجل يطعم طعامه ويرفق جيرانه ويوطئ رحله فإذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه، فهذا العمل بلا تقوى". وعن أمير المؤمنين  عليه السلام: "لو أنّ السماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً ثمّ اتقى الله، لجعل له منهما مخرجاً".

 وعنه  عليه السلام: "اعلموا أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبّارون المتكبّرون، ثمّ انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر المربح".

 (وعليك باتباع أوامر الله تعالى، وفعل ما يرضيه) من الطاعات والمبرّات (واجتناب ما يكرهه، والانزجار عن نواهيه) وفي وصيّته  صلى الله عليه واله وسلم  لأبي ذرّ: "ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، وانظر إلى مَن عصيت".

(وقطّع زمانك في تحصيل الكمالات النفسانية وصرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلمية، والارتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال، والارتفاع إلى أوج العرفان عن مهبط الجهّال) وفي الوصيّة لأبي ذرّ: "وكن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك. وفيها: لا تنطق فيما لا يعنيك، فإنّك لست منه في شيء، فاخزن لسانك كما تخزن رزقك".

(وبذل المعروف) فمن بذل معروفه استحقّ الرئاسة، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وإنّ للجنّة باباً يقال له: المعروف، لا يدخله إلّا أهل المعروف، وإنّ الله تعالى إذا أدخل أهل الجنّةِ الجنّةَ أمر ريحاً عبقة طيّبة فلزقت بأهل المعروف، فلا يمرّ أحد منهم بملأ من أهل الجنّة إلّا وجدوا ريحه، فقالوا: هذا من أهل المعروف.

(ومساعدة الإخوان) فعن الصادق  عليه السلام  قال الله عزَّ وجلَّ: "الخلق عيالي، فأحبّهم إليَّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم". وقال  عليه السلام: "من طاف بهذا البيت طوافاً واحداً كتب الله عزَّ وجلَّ له ستّة آلاف حسنة، ومحا عنه ستّة آلاف سيّئة، ورفع له ستّة آلاف درجة، حتّى إذا كان عند الملتزم فتح له سبعة أبواب من أبواب الجنّة"، قيل: هذا الفضل كلّه في الطواف؟ قال: "نعم وأخبرك بأفضل من ذلك، قضاء حاجة المسلم أفضل من طواف وطواف... حتّى بلغ عشراً" ، وقال  عليه السلام: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة، قضى الله عزَّ وجلَّ له يوم القيامة مائة ألف حاجة، من ذلك أولّها الجنّة، ومن ذلك أن يدخل قرابته ومعارفه وإخوانه الجنّة بعد أن لا يكونوا نصاباً". وقال: "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم". وقال  عليه السلام  في قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ  أي نفّاعاً.

(ومقابلة المسيء بالإحسان) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة: العفو عمَّن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك". وعن عليّ بن الحسين عليه السلام: "إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأوّلين والآخرين في صعيدٍ واحد، ثمّ ينادي منادٍ أين أهل الفضل؟ فيقوم عنق من الناس، فيلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كنّا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمّن ظلمنا، فيقال لهم: صدقتم أدخلوا الجنّة". وعن ابنه أبي جعفر الباقر  عليه السلام: "ثلاث لا يزيد الله بهنَّ المرء المسلم إلا عزّاً: الصفح عمّن ظلمه، وإعطاء من حرمه، والصلة لمن قطعه".

(و) مقابلة (المحسن بالامتنان) فعن الصادق  عليه السلام: "لعن الله قاطعي سبل المعروف"، قيل: وما قاطعو سبلَ المعروف؟ قال: "الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره، فيمتنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره".

(وإيّاك ومصاحبة الأرذال ومعاشرة الجهّال، فإنّها تفيد خلقاً ذميماً، وملكةً رديئة) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: ثلاثة مجالستهم تميت القلوب:

"الجلوس مع الأنذال، والحديث مع النساء ، والجلوس مع الأغنياء". وعن عيسى  عليه السلام  قال: إنّ صاحب الشرّ يعدي، وقرين السوء يردي، فانظر من تقارن. وعن الصادق  عليه السلام: "إن كنت تحبّ أن تستتبّ لك النعمة وتكمل لك المروءة وتصلح لك المعيشة، فلا تشارك العبيد والسفلة في أمرك، فإنّك إن ائتمنتهم خانوك، وإن حدّثوك كذبوك، وإن نكبت خذلوك، وإن وعدوك أخلفوك".

(بل عليك بملازمة العلماء ومجالسة الفضلاء، فإنّها تفيد استعداداً تامّاً لتحصيل الكمالات وتثمر لك  ملكةً راسخةً لاستنباط المجهولات) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة". وفي وصيّته لأبي ذرّ: "المتّقون سادة والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة". وعن أبي الحسن موسى  عليه السلام: "محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابيّ".

(وليكن يومك خيراً من أمسك) فالمغبون من اعتدل يوماه.

(وعليك بالصبر) على الطاعات والنوائب وعن المعاصي، فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "الصبر نصف الإيمان". وعن أمير المؤمنين  عليه السلام:

"الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتّى يردها بحسن عزائه كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له ستّمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرضين إلى العرش، ومن صبر على الطاعة كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش".

(والتوكّل) ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه. وعنه  عليه السلام: "من سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكلّ على الله، ومن سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتّق الله، ومن سرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه".

(والرضا) بقضائه، فقيل أوّل شيء كتب الله في اللوح المحفوظ: إنّي أنا الله لا إله إلا أنا، ومحمّد رسولي، مَن استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صدّيقاً وبعثته مع الصدّيقين، ومَن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليتّخذ إلهاً سواي. وعن داوود  عليه السلام: أنّه قال لابنه سليمان صلوات الله عليهما: يا بنيّ إنّما يستدل على تقوى الله الرجل بثلاث: حسن التوكّل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر فيما قد فات.

(وحاسب نفسك في كلّ يوم وليلة) ففي الوصية لأبي ذرّ: لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك لشريكه، فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين ملبسه، أمن حلٍّ أو من حرام. وفيها: حاسب نفسك قبل أن تحاسب، فإنّه أهون لحسابك غداً، وزن نفسك قبل أن توزن، وتجهَّز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى منك خافية.

(وأكثر من الاستغفار لربّك) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "خير الدعاء الاستغفار". وعنه: "الاستغفار وقول لا إله إلا الله خير العبادة". وكان  صلى الله عليه واله وسلم  يستغفر كلّ غداة يوم سبعين مرّة  وكان لا يقوم من مجلس وإن خفّ حتّى يستغفر الله عزَّ وجلَّ خمساً وعشرين مرّة. وعن الصادق  عليه السلام: "إذا أكثر العبد من الاستغفار رفعت صحيفته وهي تتلألأ".

(واتقِ دعاء المظلوم) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه". وعنه: "ثلاث دعوات مستجابات لا شكّ فيهنّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده". وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "إيّاكم ودعوة المظلوم ، فإنّها ترفع فوق السحاب حتّى ينظر الله عزَّ وجلَّ إليها"، فيقول: ارفعوها حتّى أستجيب له. وإيّاكم ودعوة الوالد، فإنّها أحد من السيف. وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "أربعة لا ترد لهم دعوة حتّى يفتح لهم أبواب السماء ويصير إلى العرش: الوالد لولده، والمظلوم على من ظلمه، والمعتمر حتّى يرجع، والصائم حتّى يفطر". وعن الصادق  عليه السلام: "اتقوا الظلم، فإنّ دعوة المظلوم تصعد إلى السماء". وعن أبيه  عليه السلام: "خمس دعوات لا يحجبن عن الربّ تبارك وتعالى: دعوة الإمام المقسط، ودعوة المظلوم يقول الله عزَّ وجلَّ: لأنتقمنّ لك ولو بعد حين، ودعوة الولد الصالح لوالديه، ودعوة الوالد الصالح لولده، ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب".

(خصوصاً اليتامى والعجائز، فإنّ الله تعالى لا يسامح بكسر كسير) وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "إنّ اليتيم إذا ضرب اهتزّ عرش الرحمن لبكائه، فيقول الله: يا ملائكتي من أبكى الّذي غيّبت أباه في التراب؟ وهو تعالى أعلم به، فيقول الملائكة: ربّنا لا علم لنا، قال الله: فإنّي أشهدكم أنّ من أرضاه فإنّي أرضيه من عندي يوم القيامة". وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "من أرقّ للأنثى كان كمن بكى من خشية الله غفر الله له، ومن فرَّج عن أنثى فرَّجه الله يوم الفزع الأكبر".

(وعليك بصلاة الليل، فإنّ رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  حثَّ عليها وندب إليها وقال: من ختم له بقيام الليل ثمّ مات فله الجنّة). وعن الصادق  عليه السلام: "شرف المؤمن صلاة الليل". وعنه  عليه السلام: "عليكم بصلاة الليل، فإنها سنّة نبيّكم، ودأب الصالحين قبلكم، ومطردة الداء عن أجسادكم". وعنه: "إنّ الثمانية ركعات يصلّيها العبد آخر الليل زينة الآخرة". وعنه: "صلاة الليل يحسن الوجه، ويحسن الخلق، ويطيب الريح، وتدرّ الرزق، وتقضي الدين، وتذهب بالهمّ، وتجلو البصر". وعنه  عليه السلام: "صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار". وعنه  عليه السلام: "إنّ البيوت الّتي تصلّى فيها بالليل بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض".

(وعليك بصلة الرحم، فإنّها تزيد في العمر) كما تظافرت به الأخبار، عنه  صلى الله عليه واله وسلم: "من سرَّه النساء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه". وعن الصادق  عليه السلام: "ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلّا صلة الرحم، حتّى أنّ الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة، ويكون أجله ثلاثاً وثلاثين سنة فيكون قاطعاً للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل إلى ثلاث سنين". وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "أوصي الشاهد من أمّتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم ولو كانت منه على مسيرة سنة، فإنّ ذلك من الدين". وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "حافّتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مرَّ الوصول للرحم المؤدّي للأمانة نفذ إلى الجنّة، وإذا مرَّ الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل وتكفأ به الصراط في النار". وعن الصادقين : "إنّ الرحم معلّقة بالعرش يقول: اللّهمّ صل من وصلني، واقطع من قطعني". وعن أمير المؤمنين  عليه السلام: "صلوا أرحامكم ولو بالسلام".

(وعليك بحسن الخلق، فإنّ رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  قال: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)  وقال  صلى الله عليه واله وسلم: "ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق". وقال  صلى الله عليه واله وسلم: "لا حسب كحسن الخلق". وقال  صلى الله عليه واله وسلم: "أكثر ما تلج به أمّتي الجنّة تقوى الله وحسن الخلق". وقال  صلى الله عليه واله وسلم: "إنّ صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم". وقال: "أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً، الموطّؤون أكتافاً، الذين يَألَفون ويُؤلَفون وتوطأ رحالهم". وسئل بعضهم عن حسن الخلق، فقال: أدناه احتمال الأذى، وترك المكافأة، والرحمة للظالم، والاستغفار له والشفقة عليه. وسئل آخر، فقال: عشرة أشياء: قلّة الخلاف، وحسن الإنصاف، وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيّئات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع باللائِمَة على نفسه، والتفرّد بمعرفة عيوب نفسه دون غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، ولطف الكلام لمن دونه وفوقه.

(وعليك بصلة الذريّة العلوية، فإنّ الله تعالى قد أكّد الوصيّة فيهم، وجعل مودّتهم أجر الرسالة والإرشاد، فقال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىلإطباق الأخبار من الخاصّة والعامّة ومفسرّي الخاصّة وأكثر العامّة على إرادة قربى النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم. وظاهره العموم وإن كان الأكثر على الاختصاص بالأئمّة صلوات الله عليهم.

(وقال رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم: إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريّتي، ورجل بذل ماله لذريّتي عند المضيق، ورجل أحبّ ذريّتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريّتي إذا طردوا أو شرّدوا  ) يحتمل الظرف تعلّقه بالجمل كلّها واختصاصه بالأخيرة. وقال  صلى الله عليه واله وسلم: "من صنع إلى أحد من أهل بيتي يداً كافيته به يوم القيامة".

(وقال الصادق  عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيّها الخلائق أنصتوا فإنّ محمّداً  صلى الله عليه واله وسلم  يكلّمكم، فينصت الخلائق، فيقوم النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم  فيقول: يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد) أي نعمة (أو منّة) أي إحسان (أو معروف) أي صنيع جميل لا ينكر (فليقم حتّى أكافيه، فيقولون: بآبائنا وأمّهاتنا! وأيّ يدٍ وأي منّةٍ وأيّ معروفٍ لنا) عندك؟ (بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق، فيقول: بلى من آوى أحداً من أهل بيتي أو برَّهم أو كساهم من عريّ أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافيه، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله تعالى: "يا محمّد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم من الجنّة حيث شئت" فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين) . فقد روي: أنّ في الجنّة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، في كلّ منهما سبعون ألف غرفة، فالبيضاء هي الوسيلة وهي لمحمّدٍ وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته. وفي خبر آخر عنه  صلى الله عليه واله وسلم: "هي درجتي في الجنّة، وهي ألف مرقاة، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد شهراً، وهي ما بين مرقاة جوهر إلى مرقاة زبرجد إلى مرقاة ياقوت إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة فضة".

(وعليك بتعظيم الفقهاء وتكرمة العلماء، فإنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ) قال: "إنّهم ورثة الأنبياء" ،وفضّل مدادهم على دماء الشهداء ، ونومهم على عبادة غيرهم ، وقال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" ، وروي: "كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب". وقال  صلى الله عليه واله وسلم: "بين العالم والعابد مائة درجة، بين كلّ درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة". و(قال: من أكرم فقيهاً مسلماً لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عنه راض، ومن أهان فقيهاً مسلماً لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان) .

(وجعل النظر إلى وجه العالم عبادة)  عن الصادق  عليه السلام: "هو العالم الّذي إذا نظرت إليه ذكّرك الآخرة، ومن كان على خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة".

(والنظر إلى باب العالم عبادة) والنظران يحتملان التقييد بما إذا كان نظر ودٍّ ومحبّةٍ وتلذّذٍ بما له من الفضل والشرف، وتذكّرٍ للآخرة وأهلها، وتطلب للتعلم منه والتأسّي به. ويحتملان العموم لما إذا كان لاهياً.

 

(ومجالسة العالم عبادة) وقال  عليه السلام: "من زار عالماً فكأنّما زارني، ومن صافح عالماً فكأنّما صافحني، ومن جالس عالماً فكأنّما جالسني، ومن جالسني في الدنيا أجلسه الله معي يوم القيامة في الجنّة". وفي وصيّة أمير المؤمنين  عليه السلام  لابنه الحسن  عليه السلام: "يا بنيّ جالس العلماء، فإنّك إن أصبت حمدوك، وإن جهلت علّموك، وإن أخطأت لم يعنّفوك، ولا تجالس السفهاء فإنّهم خلاف ذلك". وفي وصايا لقمان: جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإنّ الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء.

(وعليك بكثرة الاجتهاد في ازدياد العلم والتفقّه في الدين) فما ازداد الإنسان علماً إلا ازداد شرفاً وكرماً، فإنّ الله تعالى قال لنبيّه  صلى الله عليه واله وسلم:﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "أفضلكم أفضلكم معرفة". وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا".

(فإنّ أمير المؤمنين  عليه السلام  قال لولده) الحسن  عليه السلام: (و) تفقّه في الدين ، ولمحمّد بن الحنفية (تفقّه في الدين، فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء  وإنّ طالب العلم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتّى الطير في جوّ السماء، والحوت في البحر، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به) .

قيل: كنّا نمشي في أزقّة البصرة إلى باب بعض المحدّثين فأسرعنا في المشي وكان معنا رجل ماجن، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة كالمستهزئ، فما زال عن مكانه حتّى جفّت رجلاه. وقيل: إنّ خليعاً لمّا سمع الحديث جعل في رجليه مسمارين من حديد، وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة، فأصابته الآكلة في رجليه. وقيل: فشلّت رجلاه وسائر أعضائه.

(وإيّاك وكتمان العلم ومنعه عن المستحقّين لبذله، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِفِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) أي الملائكة والناس، أو دوابّ الأرض وهوامها، أو كلّ شيء سوى الثقلين، أو كلّ من يلعن أحداً إذا لم يستحقّه أحد منهما. (وقال رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم: إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل) مع الإمكان (فعليه لعنة الله). وفي وصيّة أبي ذرّ: شرُّ الناس عند الله- جلَّ ثناؤه- يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه. وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "ألا أخبركم بأجود الأجواد؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الله أجود الأجواد، وأنا أجود ولد آدم، وأجودكم من بعدي رجل عَلِم علماً فنشره يبعث يوم القيامة أمّة وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتّى قتل". (وقال  صلى الله عليه واله وسلم: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم). وعن أمير المؤمنين  عليه السلام: "أنّ العالم الكاتم علمه يبعث أنتن أهل القيامة ريحاً، يلعنه كلّ دابة حتّى دوابّ الأرض الصغار".

وعنه  عليه السلام: "من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الّذي حبوناه جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضيء لأهل تلك العرصات، وحلّة لا يقوم لأقلّ سلك منها الدنيا بحذافيرها. ثمّ ينادي مناد: هذا عالم من بعض تلامذة آل محمّد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبّث بنوره، ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان، فيخرج كلّ من كان علمه في الدنيا خيراً، وفتح عن قلبه قفلاً، أو أوضح له عن شبهة".

وحضرت امرأةٌ فاطمةَ الصديقةَ  عليها السلام  فسألتها عن مسألة، فأجابتها، ثمّ ثنّت وثلّثت إلى أن عشّرت ثمّ استحيت، فقالت: لا أشقّ عليك يا بنت رسول الله. فقالت  عليها السلام : "هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من الّذي يصعد يوماً إلى سطح بحمل ثقيل، وكراؤه مائة ألف دينار، أيثقل عليه"؟ فقالت: لا، فقالت: "اكتريت أنا لكلّ مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليّ، سمعت أبي  صلى الله عليه واله وسلم  يقول: إنّ علماء شيعتنا يحشرون، فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله، حتّى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور. ثمّ ينادي منادي ربّنا عزَّ وجلَّ: أيّها الكافلون لأيتام آل محمّد، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الّذين هم أئمّتهم، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الّذين كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا. فيخلعون على كلّ واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذ عنه من العلوم حتّى أنّ فيهم لمن يخلع عليه مائة ألف حلّة، وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلَّم منهم. ثمّ إن الله تعالى يقول: أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتّى تتمّوا لهم خلعهم وتضعفوها، فيتمّ لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم، ويضاعف لهم، وكذلك مرتبتهم ممّن خلع عليهم على مرتبتهم.

 قالت  عليها السلام : يا أمّة الله إنّ سلكاً من تلك الخلع لأفضل ممّا طلعت عليه الشمس ألف ألف مرّة، وما فضل ما طلعت عليه الشمس فإنّه مشوب بالتنغيص والكدر".

(وعليكَ بتلاوة الكتاب العزيز) فإنّه هدىً من الضلالة، وتبيانٌ من العمى، واستقالةٌ من العثرة، ونورٌ من الظلمة، وضياءٌ من الأحداث، وعصمةٌ من الهلكة، ورشدٌ من الغواية، وبيانٌ من الفتن، وبلاغٌ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال الدين، وشفاء ما في الصدور. وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "أفضل العبادة قراءة القرآن".

وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "القرآن غنى لا غنى دونه ولا فقر بعده". وعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "إنّ هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا يخلق عن كثرة الردّ، فاتلوه فإنّ الله يأجركم على تلاوته بكلّ حرف عشر حسنات. أما إنّي لا أقول "ألم" عشر، ولكن أقول: "ألف" عشر و"لام" عشر و"ميم" عشر".

(والتفكّر في معانيه) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، (فيه) مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجلُ جالٍ بصره وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب، ويتخلّص من نشب، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص".

(وامتثال أوامره ونواهيه) فإنّ من لم يمتثلها كان مستخفّاً به نابذاً له وراء ظهره.

(وتتبّع الأخبار النبويّة والآثار المحمّدية، والبحث عن معانيها واستقصاء النظر فيها) فمنها تعلم أصول الدين وفروعه، وفيها تفصيل جمل القرآن وتفسير معضلاته، وتبيين متشابهه ومبهماته، وبيان الناسخ والمنسوخ.

(وقد وضعت لك كتباً متعدّدة في ذلك كلّه) أي في الفقه، وهو يشمل الكلام والقرآن والحديث، وكتبه في كلّ من ذلك معروفة (هذا ما يرجع إليك) من الوصايا.

(وأمّا ما يرجع إليَّ ويعود نفعه عليَّ) أوّلاً وإن استلزم انتفاعه به أضعاف ذلك (فأن تتعهّدني بالترحّم في بعض الأوقات، وأن تهدي إليَّ ثواب بعض الطاعات) فإذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. وقال الصادق  عليه السلام  لامرأة توفّيت ابنتها: "عليك بالدعاء، فإنّه يدخل عليها كما يدخل البيت الهديّة".

(ولا تقلّل من ذكري) بين الناس (فينسبك أهل الوفاء إلى الغدر، ولا تكثر من ذكري) افتخاراً أو جزعاً أو استغاثةً أو استدلالاً بقوله  على المسائل (فينسبك أهل الحزم  إلى العجز) عن الأحساب أو الصبر أو في المسائل (بل اذكرني في خلواتك وعقيب صلواتك) فإنّها مظانّ استجابة الدعاء.

(واقض ما عليَّ من الديون الواجبة والتعهّدات اللازمة) فعنه  صلى الله عليه واله وسلم: "نفس المؤمن معلّقة بدينه حتّى يقضى عنه".

(وزر قبري بقدر الإمكان) فعنهم  عليهم السلام: إنّ الميت يستأنس بزائره، ويستوحش إذا رجع. وفيه للزائر من الأجر ما وردت الأخبار  خصوصاً في زيارة الأبوين (واقرأ عليه شيئاً من القرآن) فإنّه سكن للميت، وأنس له، ويبلغ إليه ثوابه، ويستدفع به عنه الشدّة والعذاب. وعن فاطمة  عليها السلام : أنّها أوصت أمير المؤمنين  عليه السلام  فقالت: "إذا أنا متّ فتولّ أنت غسلي، وجهّزني، وصلّ عليّ، وأنزلني قبري، والحدني، وسوِّ التراب عليّ، واجلس عند رأسي قبالة وجهي، وأكثر من تلاوة القرآن والدعاء، فإنّها ساعة يحتاج الميت فيها إلى أنس الأحياء".

 

(وكلّ كتاب صنفته وحكم الله تعالى بأمره قبل إتمامه فأكمله وأصلح) فيما كتبته (ما تجده من الخلل والنقصان) بالتغيير إن احتاج إليه، وإلا فبالإيضاح والتفسير (والخطأ والنسيان).

(هذه وصيّتي إليك والله خليفتي عليك.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته).

 وصيّته إلى علماء الدين

ووصيّتي إلى علماء الدين وإخواني المجتهدين أن لا ينطقوا في الفقه ومسائله ولا يتعرّضوا لدقائقه وجلائله إلّا بعد إتقان العربية بأقسامها واستقراء فنون ما تنطق به العرب أو تكتبه بأقلامها، وتتبّع بليغ في كلّ مسألة لأقوال الأصحاب ومداركها وما أدّتهم إليه آراؤهم في معاركها من مسالكها، ولا ينسبوا إلى أحدٍ منهم قولاً إلّا بعد وجدانه في كتابه أو سماع منه شفاهاً في خطابه، ولا يتّكلوا على نقل النقلة بلا كلّ تعويل عليه وإن كانوا كملة، فالسهو والغفلة والخطأ لوازم عادية للناس، واختلاف النسخ واضح ليس به التباس، ولا يعتمدوا في الأخبار إلا أخذها من الأصول، ولا يعوّلوا ما استطاعوا على ما عنها من النقول حتّى إذا وجدوا في التهذيب عن محمّد بن يعقوب مثلاً خبراً فلا يقتصروا عليه بل ليجيلوا له في الكافي نظراً، فربما طغى فيه القلم أو زلّ فعنّ خلاف في المتن أو السند جلّ أو قلّ.

ولقد رأيت جماعة من الأصحاب أخلدوا إلى أخبار وجدوها فيه أو في غيره كما وجدوها وأسندوا إليها آراءهم من غير أن ينتقدوها  ويظهر عند الرجوع إلى الكافي أو غيره أنّ الأقلام أسقطت منها ألفاظاً أو صحّفتها وأزالت كلمة أو كَلِماً عن مواضعها وحرّفتها، وما هو إلا تقصير بالغ وزيغ عن الحقّ غير سائغ.

ولا يستندوا في تصحيح الطرق والتضعيف والترجيح لبعضها على بعض والتطفيف إلى ما يوجد في بعض كتب الفروع من غير سبر السند برجاله والبحث عن كلّ رجل وحقيقة حاله، فإنّه إهمال وعن الحقّ إغفال، وربما انكشف عن الكذب حال فانكشف البال وانقطع المقال. ولا يقتصروا في اللغات على كتاب أو كتابين، بل ليجافوا عن المضاجع الجنبين حتّى ترتفع الشبهة من البين، وليبذلوا فيها مجهودهم ثمّ لينفقوا موجودهم، فالمساهلة فيها اجتراء عظيم على الله في أحكامه ومعاني كلامه وسنّة نبيّه وأقوامه- شملوا بصلوات الله وسلامه- ثمّ إذا ثنيت لهم الوسائد واستميحت منهم الفوائد واستفتحت بهم الشدائد واستشفيت بهم الأدواء وتصدروا للإفتاء بعد ما أحسنوا الانتقاد وبالغوا في الاجتهاد لم يقطعوا في الخلافيّات بجواب وإن ظنّوه الصواب وضموا عليه الإهاب، كدأب قوم لبّهم في الجهل عريق، وقلبهم في الحمق غريق، نراهم يحتمون على الله في أحكامه ويقطعون في الشرع بما لم ينقطع عن إبهامه ولا انسلخ عن ظلامه، فنحن في زمن الحيرة وأيّام النظرة. وأحكام الشرع إنّما يستيقنها أهله وقوامه، وعندهم الحقّ وبهم قوامه، وليس لنا إلّا الاحتياط في الدين ومجانبة المجازفة والتخمين، فهذه وصيّتي إلى المفتين.

 وصيّته إلى المستفتين
وأوصي المستفتين أن لا يستفتوا من العلماء من هجيراه  المراء وأصحابه الملوك والأمراء، فهم جفاء وأمرهم جفاء  وأفئدتهم هواء، وصدورهم خواء، وعقولهم هباء، وهم الّذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا، وهم قطاع طريق الدين، والمضلّون للمستهدين، المغوون للمسترشدين، إنّما يعنون بما يملأ بطونهم، أو يصلح لدى الأمراء شؤونهم. فربما عرفوا الحقّ وغمضوا عنه عيونهم. وربما اشتبه عليهم الباطل وتصوّر بصورة الحقّ دونهم.

 

 

في رحاب مؤلّف الوصيّة  وولده وشارحها

 صاحب هذه الوصيّة هو: الحسن بن يوسف بن عليّ بن مُطَهَّر، أبو منصور الحلّي مولداً ومسكناً.

ولقبه: جمال الدين، وآية الله - على الإطلاق -، أو علّامة الدهر، والإمام، والفاضل.

ولد رضوان الله تعالى عليه في شهر رمضان سنة 648هـ، وتوفّي في ليلة السبت أو يومه من شهر محرّم الحرام سنة 726 هـ، في مدينة الحلّة وحمل نعشه الشريف إلى مدينة النجف الأشرف ودفن في جوار أمير المؤمنين  عليه السلام.

نشأ العلامة رضوان الله تعالى عليه بين أبوين صالحين رؤوفين، فتربّى في حضن والدته بنت الحسن بن أبي زكريّا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، وتحت رعاية والده الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهّر، وشارك في تربيته وتوجيهه وتعليمه مشاركة فعالة خاله المعظّم المحقّق الحلّي، فكان له بمنزلة الأب الشفيق من كثرة رعايته له والاهتمام به. فولد المولود المبارك في محيط علمي مملوء بالتقوى وصفاء القلب، وبين أسرتين علميّتين من أبرز أسر الحلّة علماً وتقوىً وإيماناً، وهما أسرة بني المطهر وأسرة بني سعيد. فحظى المولود الميمون برعاية خاصّة من قبل الأسرتين، وقد شاهدوا استعداده الكبير لتحصيل العلم والتقى، وذهنّيته الوقّادة، لذلك أحضروا له معلّماً خاصّاً ليعلمه القرآن والكتابة. وما أن تعلّم القراءة والكتابة حتّى شرع بدراسة العربية والأدب وما يحتاجه الطالب المبتدئ، ثمّ بدأ بدراسة الفقه والأصول والكلام والتفسير والعلوم العقلية والرياضية. ومرّت عليه سنون قليلة حتّى أصبح من التلاميذ المتفوّقين في الدرس، الّذين يشار لهم بالبنان. ثمّ شرع بالدرس حيث تخرّج على يده عدد غفير من العلماء. وفي عام 702هـ هاجر العلّامة إلى بغداد بطلب من السلطان غازان خان- محمود- حيث ناظر علماء العامّة بحضور السلطان وغلب عليهم، وأدّى ذلك إلى تشيّع السلطان وعدد كبير من الأمراء والوزراء وقادة الجيش.

وبقي العلّامة إلى عام 716هـ حيث توفّي السلطان محمد خدابنده فرجع العلّامة الحلّي إلى مدينة الحلّة، واشتغل فيها بالتدريس والتأليف وتربية العلماء وتقوية المذهب وإرشاد الناس. حتّى شُدّت إليه الرحال من كلّ جانب. ولم يخرج العلّامة من الحلّة منذ رجوعه إليها حتّى وفاته إلا إلى الحجّ الّذي كان في أواخر عمره الشريف، وبقي على هذه الوتيرة إلى أن وافاه الأجل.

وللعلّامة الحلّي (رضوان الله تعالى عليه) مؤلّفات كثيرة في شتّى صنوف العلوم، حتّى نستطيع أن نقول بأنّه لم يدع علماً إلا وألَّف فيه، ولا تكاد تخلو مكتبة من كتبه القيمة.

وأمّا ولده فخر الدين محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي: فكان عالماً كبيراً ذا استعداد قويّ وأخلاق طيّبة وخصال محمودة، وفاضلاً محقّقاً فقيهاً ثقةً جليلاً، كما وصفوه، يروي عن أبيه العلّامة وغيره. وذكره الطهراني بأنّه من أجلّ تلاميذ والده المنتهية إليه سلسلة الإجازات. ويدلّ على شرفه وعظمته أن جلَّ مؤلّفات والده كُتبت بالتماسه، وأنّ والده طلب منه إكمال ما وجده ناقصاً، وإصلاح ما وجده خطأً.

وأمّا الشارح للوصيّة فهو: أبو الفضل بهاء الدين محمّد بن الحسن الأصفهاني المشهور بـ (الفاضل الهندي) و(بهاء الدين) وكاشف اللثام.

ولد عام 1062 وتوفّي سنة 1137 هجرية على المشهور. كان من الشخصيات العلمية البارزة في العهد الصفوي الأخير. ويعدّ في عداد الفقهاء العظام لمذهب الإمامية في تلك الحقبة الزمنية. وبتأليفه كتاب "كشف اللثام عن قواعد الأحكام" رسخ موقعه كفقيه بارز في تاريخ الاجتهاد عند الشيعة.

كان الفاضل في أوّل شبابه قد سافر برفقة أبيه إلى الهند، وعند رجوعه اشتهر بالفاضل الهندي.

تعرف منزلة الفاضل الهندي العلمية وأوجها بعد النظر فيما خلفه وراءه من آثار علمية نفيسة. ويكفيه عظمة وفخراً أنّه شرع في التأليف والتحقيق قبل أوان البلوغ كما صرح بذلك في مقدّمة كشف اللثام، ومنذ ذلك الوقت اشتهر أنّه حاز على درجة الاجتهاد قبل بلوغه. وقد استشهد السيد حسن الصدر في أثناء كلامه حول حصول المرحوم السيّد صدر الدين العاملي على درجة الاجتهاد قبل سنّ البلوغ باجتهاد العلامة والفاضل الهندي كذلك فقال ما نصّه: "وحدّثني والدي أنّه استجاز السيّد صاحب الرياض في السنة العاشرة بعد المائتين والألف فأجازه وصرّح فيما كتبه من الإجازة أنّه مجتهد في الأحكام من قبل أربع سنوات، فيكون حصوله ملكة الاجتهاد له سنّ ثلاث عشرة من عمره، وهذا نظير ما يحكى عن العلّامة الحلّي والفاضل الهندي".

وباعتباره المجتهد المعروف كان واحداً من أكبر المتصدّين لمقام الإفتاء في أصفهان.

وكان الفاضل يعيش في غاية الفقر، وكان يتعيّش ممّا يتقاضاه على الكتابة واستنساخ الكتب.

وتوفّي قدس سره بدار السلطنة أصفهان في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة بعد الألف من الهجرة كما وقع التصريح به في لوح مزاره المنيف.

أمّا محلّ دفنه فهو في مقبرة تخت فولاد في أصفهان، وإلى جانبه قبر ملا محمّد فاضل المعروف بالفاضل النائيني، ولهذا السبب اشتهرت هذه المقبرة على ألسنة الناس بمقبرة الفاضلين.

وكان له تآليف كثيرة منها كتابه: "كشف اللثام عن قواعد الأحكام" الّذي هو شرح لكتاب قواعد الأحكام للعلّامة الحلّي، والّذي شرح فيه وصيّة العلّامة لولده فخر المحقّقين الّتي ختم بها كتابه القواعد.

والحمد لله ربّ العالمين

كتاب (الى ولدي- شرح وصية العلامة الحلي) إعداد مركز نون للتأليف والترجمة ، ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


عودة الى القائمة